بالذي إلى الجنس والجنس في حكم العام . وقيل : المعنى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فإنكم إن فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم ، فالتفت من الخطاب إلى الغيبة كقوله
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ
[ يونس : 22 ] .
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
معناه - على قولنا - سلب الإيمان عنهم ، وعلى قول المعتزلة أنه يضلهم عن الثواب وطريق الجنة لسوء اختيارهم
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ
طلبا لمرضاته
وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ
قيل : أي يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها من المن والأذى . وقيل : تثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه ، ويعضده قراءة مجاهد وتبيينا من البيان . وقيل : إن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية إلا إذا صارت مقهورة بالرياضة ومعشوقها أمران الحياة العاجلة والمال . فإذا بذل ماله وروحه معا فقد ثبت نفسه كلها
وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
[ الصف : 11 ] وإذا بذل ماله لوجه اللّه فقد ثبت بعض نفسه ، فعلى هذا « من » للتبعيض ذكره في الكشاف . قال الزجاج : تصديقا للإسلام وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم جازمين بأن اللّه تعالى لا يضيع ثوابهم ف « من » على هذا للابتداء ، وجزمهم بالثواب هو المراد بالتثبيت . وعن الحسن ومجاهد وعطاء : المراد أنهم يثبتون أنفسهم تثبيتا في طلب المستحق وصرف المال في وجهه . قال الحسن : كان الرجل إذا همّ بصدقة يتثبت فإن كان للّه أمضى وإن خالطه شك أمسك . وقيل : إنه إذا أنفق لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وحظ من حظوظها فهناك اطمأن قلبه واستقرت نفسه ولم يحصل لنفسه منازعة مع قلبه فذلك الاستقرار هو التثبيت . ويحتمل أن يكون المراد به حصول ملكة الإنفاق بحيث يحصل عنه بطريق الاطراد والاعتياد لا بطريق البخت والاتفاق ، فإن الأخلاق ما لم تصر ملكات لصاحبها لم تكد يظهر على جوهر النفس صفاؤها ونوريتها . والمعنى أن مثل نفقة هؤلاء في زكائها عند اللّه كمثل جنة وهي البستان . وقرئ كمثل حبة بربوة بمكان مرتفع من ربا الشيء يربو إذا زاد وارتفع ، ومنه الربو لزيادة التنفس ، والربا في المال . قيل :
وإنما خص المكان المرتفع لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمرا . واعترض عليه بأن المكان المرتفع لا يحسن ريعه لبعده عن الماء وربما تضربه الرياح كما أن الوهاد لكونها مصب المياه قلما يحسن ريعها ، فإذن البستان لا يصلح له إلا الأرض المستوية ، فالمراد بالربوة أرض طيبة حرة تنتفخ وتربو إذا نزل عليها المطر ، فإنها إذا كانت على هذه الصفة كثر دخلها وكمل شجرها كقوله تعالى
وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ
[ الحج : 5 ] ومما يؤكد ما ذكرنا أن هذا المثل ، في مقابلة المثل الأول ، فكما أن الصفوان لا