تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
لا يحصل التحليل بمجرد العقد . ولقوله :
وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ
[ النساء : 6 ] أي الوطء لأن أهلية العقد حاصلة أبدا . ولقوله :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً
[ النور : 3 ] ولقوله صلى اللّه عليه وسلم : « ناكح اليد ملعون » فيدخل في الآية المزنية لأنها منكوحة أي موطوءة . وعورض بالآيات الدالة على أن النكاح هو العقد كقوله :
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ
[ النور : 32 ]
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
[ النساء : 3 ] وبقوله صلى اللّه عليه وسلم : « النكاح سنتي » « 1 » ولا شك أن الوطء من حيث إنه وطء ليس سنة له . وبقوله : « ولدت من نكاح لا من سفاح » وبأن من حلف في أولاد الزنا إنهم ليسوا من أولاد النكاح لم يحنث . سلمنا أن الوطء سمي بالنكاح لكن العقد أيضا مسمى به ، فلم كان حمل الآية على ما ذكره أولى من حملها على ما ذكرنا مع إجماع المفسرين على أن سبب نزول الآية هو العقد لا الوطء ؟ قالوا : حقيقة في الوطء مجاز في العقد لأنه في اللغة الضم ، وهذا المعنى حاصل في الوطء لا في العقد . وإنما أطلق النكاح على العقد إطلاقا لاسم المسبب على السبب ، والحمل على الحقيقة أولى أو مشترك بينهما . ويجوز استعماله في مفهوميه معا ، فتكون الآية نهيا عن الوطء وعن العقد معا ، أو لا يجوز استعماله في المفهومين فيكون نهيا عن القدر المشترك بينهما وهو الضم . والنهي عن المشترك يكون نهيا عن القسمين ، فإن النهي عن التلوين يكون نهيا عن التسويد والتبييض لا محالة . وأجيب بأنه خلاف إجماع المفسرين ، وبأن استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه غير جائز ، وبأن معنى الضم لا يتصوّر في العقد . سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء ولكن ما في قوله :
ما نَكَحَ
لا نسلم أنها موصولة لأنها حقيقة في غير العقلاء وإنما هي مصدرية والتقدير : ولا تنكحوا نكاح آبائكم فإن أنكحتهم كانت بغير ولي وشهود وكانت مرفية ومهرية فنهوا عن مثل هذه الأنكحة . قاله محمد بن جرير الطبري . سلمنا أن المراد لا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكنا لا نسلم أن « من » تفيد العموم وإذا لم تفد العموم لم تتناول محل النزاع . لكن لم قلتم إن النهي للتحريم لا للتنزيه ؟ سلمنا أن النهي للتحريم لكن لا نسلم أنه غير صحيح لأن النهي عندكم لا يدل على الفاسد كما في البيع الفاسد وفي صوم يوم النحر . وإذا كان منعقدا كان صحيحا . ثم إنا نستدل على جواز نكاح مزنية الأب بقوله تعالى :
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ
[ البقرة : 221 ] نهى عن نكاحهن إلى غاية نفي إيمانهن ، وهذا يقتضي جواز نكاحهن بعد تلك الغاية على الإطلاق مزنية كانت أو غيرها ، إلا ما أخرجه الدليل ، وهكذا سائر العمومات كقوله :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
[ النساء : 24 ] وكقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا جاءكم من ترضون دينه فزوّجوه » « 2 » وقوله : « زوّجوا أبناءكم
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة في كتاب النكاح باب 1 . ( 2 ) رواه الترمذي في كتاب النكاح باب 3 . ابن ماجة في كتاب النكاح باب 46 .