تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله . وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم ، وأيضا قوله :
وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً
هذه الأوامر تناسب حال الأولياء لا الآباء . وأقول : لا يبعد حمل الآية على كلا القولين ، لأن الإضافة في أموالكم لا تفيد إلا الاختصاص سواء كان اختصاص الملكية أو اختصاص التصرف . واختلفوا في السفهاء فعن مجاهد والضحاك أنها النساء أزواجا كن أو أمهات أو بنات ، وهو مذهب ابن عمرو يدل عليه ما روى أبو أمامة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « ألا إنما خلقت النار للسفهاء » يقولها ثلاثا . وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها . وقد جمع فعلية على فعلاء كفقيرة وفقراء . وقال الزهري وابن زيد : هم الأولاد الخفاف العقول . وعن ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير : إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحدا منهما على ماله . والصحيح أن المراد بالسفهاء كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال ولا يد له بإصلاحه وتثميره والتصرف فيه ، ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام والفساق وغيرهم مما لا وزن لهم عند أهل الدين والعلم بمصالح الدارين ، فيضع المال فيما لا ينبغي ويفسده . ومعنى
جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً
أنه لا يحصل قيامكم وانتعاشكم إلا به . سماه بالقيام إطلاقا لاسم المسبب على السبب . ومن قرأ قيما فعلى حذف الألف من
قِياماً
وهو مصدر قام وأصله قوام قلبت الواو ياء لإعلال فعله . فإن لم يكن مصدرا لم يعل كقوام لما يقام به . وكان السلف يقولون : المال سلاح المؤمن ، ولأن أترك ما لا يحاسبني اللّه عليه خير من أحتاج إلى الناس . وقال عبد اللّه بن عباس : الدراهم والدنانير خواتيم اللّه في الأرض لا تؤكل ولا تشرب حيث قصدت بها قضيت حاجتك . وقال قيس بن سعد : اللهم ارزقني حمدا ومجدا فإنه لا حمد إلا بفعال ، ولا مجد إلا بمال . وقيل لأبي الزناد : لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا ؟ قال : هي وإن أدنتني فقد صانتني عنها . وكانوا يقولون : اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه . وربما رأوا رجلا في تشييع جنازة فقالوا له : اذهب إلى مكانك . وقال بعض الحكماء : من أضاع ماله فقد ضارّ الأكرمين : الدين والعرض . وفي منثور الحكم : من استغنى كرم على أهله . وفيه : الفقر مخذلة ، والغنى مجدلة ، والبؤس مرذلة ، والسؤال مبذلة . وكان يقال : الدراهم مراهم لأنها تداوي كل جرح ويطيب بها كل صلح . وقال أبو العتاهية :
أجلك قوم حين صرت إلى الغنى * وكل غني في العيون جليل
إذا مالت الدنيا على المرء رغبت * إليه ومال الناس حيث تميل