تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
تبسطهم وتصرفهم في المكاسب والمزارع والمتاجر ذلك التقلب أو الكسب والربح
مَتاعٌ قَلِيلٌ
في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة ، أو في جنب ما وعد اللّه المؤمنين من الثواب ، أو هو قليل في نفسه إذ لا نسبة لمدته إلى ما بين أمدي الأزل والأبد ، ومع قلته سبب للوقوع في نار جهنم أبد الآبدين . والنعمة القليلة إذا كانت سببا للمضرة العظيمة لم تكن في الحقيقة نعمة ولهذا استدرك وقال
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا
الآية ، ويدخل في التقوى الأوامر والنواهي . والنزل ما يعدّ للضيف ويعجل ، ومن هنا تمسك به بعض الأصحاب في الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلا فلا بد من شيء آخر يكون أصلا بالنسبة إليها . قلت : ويحتمل أن يكون قوله :
وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
[ النحل : 96 ] إشارة إليه وهو مقام العندية والقرب الذي لا يوازيه شيء من نعيم الجنة . وقيل : المعنى وما عند اللّه من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل ، وانتصاب
نُزُلًا
على الحال من
جَنَّاتٌ
لتخصيصها بالوصف ، والعامل معنى الاستقرار في لهم ، أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل : رزقا أو عطاء ، أو نصب على التفسير كما قلنا في
ثَواباً
. ثم إنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار بين حال مؤمني أهل الكتاب كلهم فقال :
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ
وهذا قول مجاهد . وقال ابن جريج وابن زيد : نزلت في عبد اللّه بن سلام وأصحابه . وقيل : في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا . وعن جابر بن عبد اللّه وأنس وابن عباس وقتادة : نزلت في النجاشي لما مات نعاه جبريل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للأصحاب : اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم . قالوا : ومن هو ؟ . قال : النجاشي . فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له ، وقال لأصحابه : استغفروا له . فقال المنافقون : انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه ، فأنزل اللّه هذه الآية . واللام في
لَمَنْ يُؤْمِنُ
لام الابتداء الذي يدخل على خبر « إن » أو على اسمه عند الفصل كما في الآية . والمراد
ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
القرآن
وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ
الكتابان و
خاشِعِينَ لِلَّهِ
حال من فاعل يؤمن لأن « من » في معنى الجمع فحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى
لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا
كما يفعله من لم يسلم من أحبارهم ورؤسائهم
أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
ولا يخفى فخامة شأن هذا الوعد حسبما أشار إليه بقوله :
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
لأنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل المقدورات فيعلم ويعطي ما لكل أحد من جزاء الحسنات والسيئات . أو المراد سرعة موعد حسابه