المقدور مجاز مشهور . يقال : هذا علم فلان أو قدرته والمراد معلومه أو مقدوره . فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم فالمراد تجدد المعلوم لأن التغير في علم اللّه تعالى محال . فمعنى الآية ليظهر معلومنا وهو المخلص من المنافق والمؤمن من الكفار . وقيل : معناه ليحكم بالامتياز ، فوضع العلم مقام الحكم . وقيل : ليعلمهم علما يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمهم موجودا منهم الثبات ، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد . وقيل :
ليعلم أولياء اللّه فأضاف إلى نفسه تفخيما لهم . وعلى الأقوال العلم بمعنى العرفان ولهذا تعدى إلى مفعول واحد . وقيل : إنه بمعنى فعل القلب الذي يتعدى إلى مفعولين والتقدير :
وليعلمهم مميزين عن غيرهم . ويحتمل على جميع التقادير أن يضمر متعلق وليعلم بعده ومعناه : وليتميز الثابتون على الإيمان من المضطربين فعلنا ما فعلنا . ومن حكم المداولة قوله :
وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ
من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة كقوله :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
[ البقرة : 143 ] فإن كونهم كذلك منصب شريف لا يناله إلا هذه الأمة ، ولن يكونوا من الأمة إلا بالصبر على ما ابتلوا به من الشدائد . أو المراد ليكرم ناسا منكم بالشهادة . والشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء . والمقتول من المسلمين بسيف الكفار يسمى شهيدا . قال النضر بن شميل : لأنهم أحياء حضروا دار السلام كما ماتوا بخلاف غيرهم . وقال ابن الأنباري : لأن اللّه وملائكته شهدوا له بالجنة
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
أي المشركين
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] قال ابن عباس : وقيل : لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان الصابرين على البلوى ، وهو اعتراض بين بعض المعللات وبعض . وفيه أن دولة الكافرين على المؤمنين للفوائد المذكورة لا لأنه يحبهم .
ومن الحكم قوله :
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ
والمحص في اللغة التنقية والمحق النقصان . وقال المفضل : هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء . وقال الزجاج : معنى الآية أنه إن حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين أي تطهيرهم وتصفيتهم ، وإن كان بالعكس فالمراد محو آثار الكفار . وهذه مقابلة لطيفة لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم لا بالكلية ، فإن ذلك غير واقع بل بتدريج ومهل ليقطع طرفا ننقصها من أطرافها .
التأويل :
لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا
ما يؤدي إلى الحرص على طلب الدنيا
أَضْعافاً مُضاعَفَةً
إلى ما لا يتناهى فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب .
وَاتَّقُوا اللَّهَ
خطاب للخواص أي اتقوا باللّه عن غير اللّه في طلب اللّه
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
عن حجب ما سوى اللّه ، وتظفرون بالوصول إلى اللّه . ثم خاطب العوام الذين هم أرباب الوسائط بقوله :
وَاتَّقُوا
أي بالقناعة
النَّارَ