فات الغرض وضاع السعي ، أو لكونه غير معلوم العاقبة فيفتقر إلى مزيد تدبر وتأمل . ومنها ما يحمد فيه التعجيل لضد ما قلنا فتنتهز فيه الفرصة وتغتنم ، فإن الفرص تمر مر السحاب .
قال صلى اللّه عليه وسلم : « اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك » .
الصفة الثامنة :
أُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ
وذلك أن الأمور بخواتيمها والعاقبة غير معلومة إلا في علم اللّه تعالى فإذا أخبر عنهم بانخراطهم في سلك الصالحين فذلك المقصود وقصارى المجهود . ثم شرط للأمة الموصوفة بل لجميع المكلفين إيصال الجزاء إليهم البتة تأكيدا للإخبار عنهم بقوله :
وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ
فقال :
وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ
أي لن يحرموا ثوابه ولن يمنعوه . فضمن الكفران معنى الحرمان ولهذا يعدى إلى مفعولين ، مع أن الأصل فيه التعدية إلى واحد نحو : شكر النعمة وكفرها . وسمى منع الجزاء كفرا كما سمى إيصال الثواب شكرا في قوله :
فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ
[ البقرة : 158 ] ثم ختم الكلام بقوله :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
مع أنه عالم بكل الأشياء بشارة لهم بجزيل الثواب ، ودلالة على أنه لا يفوز عنده بالكرامة إلا أهل التقوى ، وتنبيها على أن الملتزم لوعدهم هو معبودهم الحق القادر الغني الحميد الخبير الذي لا غاية لكرمه ولا نهاية لعلمه ، فما ظنك بمثيب هذا شأنه ؟ ! ثم بين أحوال أهل الشقاء بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
الآية . وقد سبق تفسير مثله في أول السورة . ثم إنه لما بين أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئا أمكن أن يخطر ببال أحد أن الذي ينفقون منه في وجوه الخيرات لعلهم ينتفعون بذلك فأزال ذلك الوهم بقوله :
مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ
الآية . قال أكثر المفسرين وأهل اللغة : الصر البرد الشديد . وهو منقول عن ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد . وفي الصحاح : الصر بالكسر برد يضر بالنبات والحرث . وعلى هذا فمعنى الآية :
كمثل ريح فيها برد وذلك ظاهر . وجوز في الكشاف أن يكون الصر صفة معناه البارد فيكون موصوفه محذوفا بمعنى فيها قرّة صر كما تقول : برد بارد على المبالغة ، أو تكون « في » تجريدية كما يقال : رأيت فيك أسدا أي أنت أسد ، وإن ضيعني فلان ففي اللّه كاف وكافل .
وقيل : الصر السموم الحارة . وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس
فِيها صِرٌّ
قال :
فيها نار . وعلى القولين ، الغرض من التشبيه حاصل سواء كان بردا مهلكا أو حرّا محرقا فإنه يصير مبطلا للحرث فيصح التشبيه . وهذا في التشبيه المركب الذي مر ذكره في أول سورة البقرة . ويجوز أن يراد مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح ، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح وهو الحرث . والمراد ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس لا يبتغون بها وجه اللّه ، ولهذا قيده بقوله :
فِي هذِهِ الْحَياةِ