تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
تقتل النفس به وهو قوله :
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
[ الأنعام : 151 ] ثم نكر في المواضع الباقية أي يغير ما حق أضلالا في نفس الأمر ولا بحسب معتقدهم وتدينهم .
لَيْسُوا سَواءً
كلام تام وما بعده كلام مستأنف للبيان . قال الفراء وابن الأنباري : تقديره من أهل الكتاب أمة قائمة ومنهم أمة مذمومة ، إلا أنه أضمر ذكر هذا القسم على مذهب العرب من الاكتفاء بأحد الضدين لخطورهما بالبال معا غالبا . قال أبو ذؤيب :
دعاني إليها القلب إني لآمرها * مطيع فما أدري أرشد طلابها ؟
أراد أم غيّ فاكتفى بذكر الرشد عن ضده . وتقول : زيد وعبد اللّه لا يستويان ، زيد عاقل دين ذكي . فيغني هذا عن أن يقال : وعبد اللّه ليس كذلك . وقيل : وهو اختيار أبي عبيدة أن
أُمَّةٌ
مرفوعة ب
لَيْسُوا
على لغة من قال : أكلوني البراغيث . أو هو بدل من الضمير على نحو
أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
[ الأنبياء : 3 ] والتقدير : ليسوا سواء أمة قائمة وأمة مذمومة . وفي تفسير أهل الكتاب قولان : الأول وعليه الجمهور أنهم اليهود والنصارى . قال ابن عباس ومقاتل : لما أسلم عبد اللّه بن سلام وأضرابه قالت أحبار اليهود : ما آمن بمحمد إلا شرارنا ، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم وقالوا لهم : لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم دنيا غيره فنزلت . وعن عطاء أنها نزلت في أربعين من أهل نجران ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . الثاني أنهم كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان فعلى هذا يكون المسلمون منهم . عن ابن مسعود قال : أخر رسول صلى اللّه عليه وسلم ليلة صلاة العشاء ، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال : إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر اللّه في هذه الساعة غيركم . وفي رواية : فبشر صلى اللّه عليه وسلم أنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب فأنزل اللّه هذه الآيات
لَيْسُوا سَواءً
إلى قوله :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
قال القفال رحمه اللّه : لا يبعد أن يقال : أولئك الحاضرون كانوا نفرا من مؤمني أهل الكتاب . فقيل : ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم فأقاموا صلاة العشاء في الساعة التي ينام فيها غيرهم مع أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا . ولا يبعد أيضا أن يقال : المراد كل من آمن بمحمد صلى اللّه عليه وسلم فسماهم اللّه أهل الكتاب كأنه قيل : أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة ، والمسلمون الذين سماهم اللّه تعالى أهل الكتاب حالهم وصفتهم كذا فكيف يستويان ؟ فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيدا لما تقدم من قوله :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
[ آل عمران : 110 ] كقوله :
أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ
[ السجدة : 18 ] ثم إنه تعالى مدح الأمة المذكورة بصفات ثمان : الأولى : أنها