كأنه قيل : إن اليهود والمرتدين الذين فعلوا ما فعلوا من حقهم أن لا تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون الكاملون في الضلال ، ضلوا في تيه الأوصاف البهيمية والأخلاق السبعية فلم يكادوا يخرجون منهما بقدم الإنابة .
واعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام : أحدها الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذي سيق لأجله الآية التي ردفها الاستثناء ، وثانيها الذي يتوب توبة فاسدة وهو المذكور في قوله :
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
على وجه . وثالثها الذي يموت على الكفر من غير توبة فذكره في الآية الأخيرة . وملء الشيء قدر ما يملؤه و
ذَهَباً
نصب على التمييز .
وربما يقال على التفسير . ومعناه أن يكون الكلام تاما إلا أنه يكون مبهما كقولك « عندي عشرون » فالعدد معلوم والمعدود مبهم . فإذا قلت « درهما » فسرت العدد . ومعنى الفاء في
فَلَنْ يُقْبَلَ
أن يعلم أن الكلام مبني على الشرط والجزاء ، وإذا ترك كما في الآية الأولى فلعدم قصد التسبيب والاكتفاء بمجرد الحمل والوضع . هذا ما قاله النحويون ومنهم صاحب الكشاف . وليت شعري أنهم لو سئلوا عن تخصيص كل موضع بما خصص به فبما ذا يجيبون ؟ ولعل عقيدتهم في أمثال هذه المواضع أنها من الأسئلة المتقلبة وهو وهم . والسر في التخصيص هو أنه لما قيد في الجملة الثانية أنهم قد ماتوا على الكفر زيدت فاء السببية الجزائية تأكيدا للزوم وتغليظا في الوعيد واللّه أعلم . أما الواو في قوله
وَلَوِ افْتَدى بِهِ
فإنها تشبه عطف الشيء على نفسه لأنه كالمكرر ، فلهذا كثر أقاويل العلماء فيه فقال الزجاج وابن الأنباري : إنها للعطف والتقدير : لو تقرب إلى اللّه بملء الأرض ذهبا لم ينفعه ذلك مع كفره ولو افتدى به أيضا لم يقبل منه . وقيل : إنها لبيان التفصيل بعد الإجمال فإن إعطاء ملء الأرض ذهبا يحتمل الوجوه الكثيرة ، فنص على نفي القبول بجهة الفدية . وقيل : إن الملوك قد لا يقبلون الهدية ويقبلون الفدية ، فإذا لم يقبلوا الفدية كان ذلك غاية الغضب ونهاية السخط ، فعبر بنفي قبول الفداء عن شدة الغضب . وقيل : إنه محمول على المعنى كأنه قيل : فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا . وقيل : يجوز أن يراد ولو افتدى بمثله كقوله :
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ
[ الزمر : 47 ] والمثل يحذف كثيرا في كلامهم مثل : ضربت ضرب زيد . أي مثل ضربه .
و « أبو يوسف أبو حنيفة » تريد مثله . كما أنه يراد به في نحو قولهم « مثلك لا يفعل » كذا أي أنت . وذلك أن المثلين يقوم أحدهما مقام الآخر في أغلب الأمور فكانا في حكم شيء واحد . فإن قيل : من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة شيئا ، وبتقدير أن يملك فلا نفع في الذهب هناك ، فما فائدة هذا الكلام ؟ فالجواب أنه على سبيل الفرض والتقدير ، والذهب