بقيومية الحق لا بأنفسهم ، فلما جاء الحق وزهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا « الحي القيوم » إذ سلب « الحي » جميع أسماء اللّه وسلب « القيوم » قيام الممكنات ، ففني التعدد وبقيت الوحدة . فيذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية ، فقد ذكره باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى ؛ لأنه حينئذ ينطق باللّه فيكون الحال كما جرى على لسانه . فأما الذاكر عند غيبته عن عظمة الوحدانية فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم بالنسبة إلى حال غيبته ، وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم . كما سئل أبو يزيد عن الاسم الأعظم فقال : الاسم الأعظم ليس له حد محدود ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت .
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
، لأن النوم أخو الموت والموت ضد الحياة ، وهو الحي الحقيقي فلا يلحقه ضد الحياة .
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
هذا الاستثناء راجع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم كأنه قيل : من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد صلى اللّه عليه وسلم فإنه مأذون في الشفاعة موعود بها و
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
[ الإسراء : 79 ] .
و
يَعْلَمُ
محمد صلى اللّه عليه وسلم
ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
من أوليات الأمور قبل خلق الخلائق ،
كقوله صلى اللّه عليه وسلم « أول ما خلق اللّه نوري ، أول ما خلق اللّه العقل أن اللّه خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام »
وَما خَلْفَهُمْ
من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم نفسي نفسي ورجوعهم إليه بالاضطرار ،
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ
وإنما هو شاهد على أحوالهم وسيرهم ومعاملاتهم وقصصهم
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ
[ هود : 120 ] ويعلم أمور آخرتهم وأحوال أهل الجنة والنار ، وهم لا يعلمون شيئا من ذلك
إِلَّا بِما شاءَ
أن يخبرهم عنه
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
: مثال العرش في عالم الإنسان قلبه ؛ ومثال الكرسي : سره . وسوف يجيء تمام التحقيق إن شاء اللّه تعالى في قوله
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 9 ] وإن العرش مع عظمته كحلقة ملقاة بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن .
وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما
لا يثقل الروح الإنساني حفظ أسرار السماوات والأرض ،
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
[ البقرة : 31 ] ولما أظهر لمخلوقاته من العرش والكرسي ولقلب المؤمن وسره علوا في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهارا لكمال القدرة والحكمة ، تردّى برداء الكبرياء واتّزر بإزار العظمة والبهاء وهو أولى بالمدح والثناء فقال :
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه ، ومن عظم فبتعظيمه . ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
كما
قال صلى اللّه عليه وسلم : « ليس الدين بالتمني »
مع أن التمني نوع من الاختيار فكيف يحصل بالإكراه هو