تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
مخاطبا للّه تعالى ومناجيا إياه
رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ
أدركتني السنون العالية وأثر فيّ طول العمر وأضعفني . قال أهل اللغة : كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك وذلك إذا أمكن تصور الطلب من الجانبين . فيجوز بلغت الكبر وبلغني الكبر لأن الكبر كالشئ الطالب للإنسان فهو يأتيه بحدوثه فيه . والإنسان أيضا يأتيه بمرور العمر عليه . ولا يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد لأن البلد ليس كالطالب للإنسان الذاهب .
وَامْرَأَتِي عاقِرٌ
هي من الصفات الخاصة بالنساء . ويقال : رمل عاقر لا ينبت شيئا . فإن قيل : لما كان زكريا هو الذي سأل الولد ثم أجابه اللّه تعالى إلى ذلك فما وجه تعجبه واستبعاده بقوله :
أَنَّى يَكُونُ
من أين يحصل لي غلام ؟ فالجواب على ما في الكشاف أن الاستبعاد إنما جاء من حيث العادة . وقيل : إنه دهش من شدة الفرح فسبق لسانه . ونقل عن سفيان بن عيينة أن دعاءه كان قبل البشارة بستين سنة ، فكان قد نسي ذلك السؤال وقت البشارة ، فلما سمع البشارة في زمان الشيخوخة استغرب وكان له يومئذ مائة وعشرون سنة أو تسع وتسعون ولامرأته ثمان وتسعون ، وعن السدي أن الشيطان جاءه عند سماع البشارة قال : إن هذا النداء من الشيطان وقد سخر منك فاشتبه عليه الأمر ولا سيما أنه كان من مصالح الدنيا ولم يتأكد بالمعجزة فرجع إلى إزالة ذلك الخاطر فسأل ما سأل . والجواب المعتمد أن زكريا لم يسأل عما سأل استبعادا وتشككا في قدرة اللّه تعالى ، وإنما أراد تعيين الجهة التي بها يحصل الولد ، فإن الجهة المعتادة كانت متعذرة عادة لكبره وعقارتها فأجيب بقوله :
كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ
وهو إما جملة واحدة أي اللّه يفعل ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر ، أو جملتان فيكون
كَذلِكَ اللَّهُ
مبتدأ وخبرا أي على نحو هذه الصفة اللّه و
يَفْعَلُ ما يَشاءُ
بيانا له أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات . ثم إنه صلى اللّه عليه وسلم لفرط سروره وثقته بكرم ربه وإنعامه سأل عن تعيين الوقت فقال :
رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً
علامة أعرف بها العلوق فإن ذلك لا يظهر من أوّل الأمر فقال تعالى :
آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ
أي بلياليها ولهذا ذكر في سورة مريم
ثَلاثَ لَيالٍ
[ مريم : 10 ] ومعنى قوله :
أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ
قال المفسرون : أي لا تقدر على التكلم . حبس لسانه عن أمور الدنيا وأقدره على الذكر والتسبيح ليكون في تلك المدة مشتغلا بذكر اللّه وبالطاعة وبالشكر على تلك النعمة الجسمية ، فيصير الشيء الواحد علامة على المقصود وأداء لشكر النعمة فيكون جامعا للمقاصد . وفي هذه الآية إعجاز من وجوه منها : القدرة على التكلم بالتسبيح والذكر مع العجز عن التكلم بكلام البشر . ومنها العجز مع سلامة البنية واعتدال المزاج . ومنها الإخبار بأنه متى حصلت هذه