تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
كلمة كما قيل : « كلمة الحويدرة » لقصيدته . والجمهور على أن المراد بكلمة من اللّه هو عيسى . قال السدي : لقيت أم يحيى أم عيسى وهما حاملان بهما . فقالت : يا مريم أشعرت أني حبلى ؟ فقالت مريم : وأنا أيضا حبلى . قالت امرأة زكريا : فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذاك قوله :
مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ
وقال ابن عباس : إن يحيى أكبر سنا من عيسى بستة أشهر ، وكان يحيى أول من آمن به وصدّق بأنه كلمة اللّه وروحه ، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى . وسمي عيسى كلمة اللّه لأنه لم يوجد إلا بكلمة اللّه وهي « كن » من غير واسطة أب وزرع كما يسمى المخلوق خلقا والمرجو رجاء ، أو لكونه متكلما في أوان الطفولية ، أو لأنه منشأ الحقائق والأسرار كالكلمة ، ولهذا سمي روحا أيضا لأنه سبب حياة الأرواح . وقد يقال للسلطان العادل ظل اللّه ونور اللّه لأنه سبب ظهور ظل العدل ونور الإحسان ، أو لأنه وردت البشارة به في كلمات الأنبياء وكتبهم كما لو أخبرت عن حدوث أمر ، ثم إذا حدث قلت قد جاء قولي أو كلامي أي ما كنت أقول أو أتكلم به . ومنها قوله :
وَسَيِّداً
والسيد الذي يفوق قومه في الشرف . وكان يحيى فائقا لقومه بل للناس كلهم في الخصال الحميدة . وقال ابن عباس : السيد الحليم . وقال ابن المسيب : الفقيه العالم . وقال عكرمة : الذي لا يغلبه الغضب . ومنها قوله :
وَحَصُوراً
قيل : أي محصورا عن النساء لضعف في الآلة ، وزيف بأنه من صفات النقص فلا يليق في معرض المدح . والمحققون على أنه فعول بمعنى فاعل وهو الذي لا يأتي النسوان لا للعجز بل للعفة والزهد وحبس النفس عنهن ، وفيه دليل على أن ترك النكاح كان أفضل من تلك الشريعة ، فلولا أن الأمر بالنكاح والحث عليه وارد في شرعنا كان الأصل بقاء الأمر على ما كان . ومنها قوله :
وَنَبِيًّا
واعلم أن السيادة لا تتم إلا بالقدرة على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى الدين والدنيا . والحصور إشارة إلى الزهد التام وهو منع النفس عما لا يعنيه . روي أنه مر وهو طفل بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال : ما للعب خلقت . فقوله :
وَنَبِيًّا
أشار به إلى ما عدا مجموع الأمرين فإنه ليس بعدهما إلا النبوة . ثم قال :
وَمِنَ الصَّالِحِينَ
أي من أولادهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائنا من جملة الصالحين كقوله :
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
[ البقرة : 130 ] أو لأن صلاحه كان أتم بدليل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ما من نبي إلا وقد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا فإنه لم يعص ولم يهم » وفيه أن الختم على الصلاح هو الغرض الأعظم والغاية القصوى وإن كان نبيا ، ولهذا قال سليمان بعد حصول النبوة
وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ
[ النمل : 19 ] وقال يوسف :
تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
[ يوسف : 101 ] . ثم إن الملائكة لما نادوه بما نادوه قال زكريا