تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
وهلك عمران وهي حامل . قال الحسن : إنما فعلت ذلك بإلهام اللّه تعالى كما ألهم أم موسى فقذفته في أليم . عن الشعبي : محررا مخلصا للعبادة . وتحرير العبد تخليصه من الرق ، وحررت الكتاب إذا أصلحته وخلص من الغلط ، ورجل حر إذا كان خالصا لنفسه ليس لأحد عليه يد وتصرف . قال الأصم : لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي ، وكان في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين . فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع عن الانتفاع ويجعلون الأولاد محررين لخدمة المسجد وطاعة اللّه تعالى ، حتى إذا بلغ الحلم كان مخيرا . فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب ، وإن اختار المقام فلا خيار له بعد ذلك . ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس ، وما كان هذا التحرير إلا في الغلمان . لأن الجارية يصيبها الحيض والقذر ، ثم إنها نذرت مطلقا إما لبناء الأمر على الفرض والتقدير ، وإما لأنها جعلت النذر وسيلة إلى طلب الولد الذكر .
مُحَرَّراً
حال من « ما » . وعن ابن قتيبة : المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محررا . فلما وضعتها يعني ما في بطنها لأنها كانت أنثى في علم اللّه ، أو على تأويل النفس أو النسمة أو الحبلة . والحبل بفتح الباء مصدر بمعنى المحبول ، كما سمي بالحمل ، ثم أدخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه ، ومنه الحديث « نهى عن حبل الحبلة » ومعناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أنه يكون أنثى .
قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها
حال كونها
أُنْثى
ثم من قرأ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ
على الحكاية فمجموع الكلام إلى آخر الآية من قولها ، ويكون فائدة قولها
إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى
الاعتذار عن إطلاق النذر الذي تقدم منها ، والخوف من أنها لا تقع الموقع الذي يعتد به والتحزن إلى ربها والتحسر على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها . ثم خافت أن يظن بها أنها قالت ذلك لإعلام اللّه تعالى فقالت :
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى
ليس جنس الذكور كجنس الإناث لا سيما في باب السدانة ، فإن تحرير غير الذكور لم يكن جائزا في شرعهم ، والذكر يمكن له الاستمرار على الخدمة دون الأنثى لعوارض النسوان ، ولأن الأنثى لا تقوى على الخدمة لأنها محل التهمة عند الاختلاط . ويحتمل أن تكون عارفة باللّه واثقة بأن كل ما صدر عنه فإنه يكون خيرا وصوابا فقالت :
رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى
ولكنك أعرف وأعلم بحال ما وضعت فلعل لك فيه سرا
وَلَيْسَ الذَّكَرُ
الذي طلبت
كَالْأُنْثى
التي وهبت لي لأنك لا تفعل إلا ما فيه حكمة ومصلحة ، فعلى هذا اللام في الذكر وفي الأنثى لمعهود حاضر ذهني لكنها في الذكر لحاضر ذهني تقديرا لدلالة ما في بطني عليه ضمنا ، وفي الأنثى لحاضر ذهني حقيقة لتقدم لفظة أنثى . ومن قرأ
بِما وَضَعَتْ
بسكون التاء للتأنيث فالجملتان أعني