تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
إن اللّه وعد وعدا وأوعد إيعادا . فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده . فقال أبو عمرو إنك أعجم لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب ، لأن العرب تعدّ الرجوع عن الوعد لؤما وعن الإيعاد كرما وأنشد :
وإني وإن أوعدته أو وعدته * لمكذب إيعادي ومنجز موعدي
وذلك أن الوعد حق عليه ، والوعيد حق له ، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم ، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم فهذا هو الفرق بين الوعد والوعيد . على أنا لا نسلم أن الوعيد ثابت جزما من غير شرط بل هو مشروط بعدم العفو فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام اللّه تعالى . ثم إنه سبحانه لما حكى عن المؤمنين دعاءهم وتضرعهم حكى كيفية حال الكافرين وشدة عذابهم فقال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
وقيل : المراد وفد نجران وذلك أنا روينا في قصتهم أن أبا حارثة بن علقمة قال لأخيه : إني أعلم أنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حقا ، ولكي إن أظهرت ذلك أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال . فاللّه تعالى بيّن أن أموالهم وأولادهم لا تدفع عنهم عذاب اللّه في الدنيا والآخرة ، لكن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ . واعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعا به ويجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة . أما الأول فإليه أشار بقوله :
لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ
لأنهما أقرب الأمور التي يفزع إليها المرء عند الخطوب ، وإذا لم يفد أقرب الطرق إلى دفع المضار في ذلك اليوم فما عداه بالتعذر أولى ومثله
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
[ الصافات : 149 ]
الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ
[ الكهف : 46 ] . وأما الثاني فإليه أشار بقوله :
وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ
فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس و « من » في قوله
مِنَ اللَّهِ
للبدل مثله في قوله
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
[ النجم : 28 ] أي بدله والمضاف محذوف تقديره لن تغني عنهم بدل رحمة اللّه أو طاعته شيئا . أو في الحديث « ولا ينفع ذا الجد منك الجد » « 1 » أي لا ينفعه جده وحظه في الدنيا بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وأنشد أبو علي :
فليت لنا من ماء زمزم شربة * مبردة باتت على طهيان
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الأذان باب 155 . مسلم في كتاب الصلاة حديث 194 . أبو داود في كتاب الصلاة باب 140 . الترمذي في كتاب الصلاة باب 108 . النسائي في كتاب التطبيق باب 25 . الدارمي في كتاب الصلاة باب 71 .