صح في حقهم وجب عندكم على اللّه أن يفعل ذلك وجوبا لو تركه لبطلت إلهيته ولصار جاهلا أو محتاجا . وقال الأصم : لا تبلنا ببلوى يزيغ عندها قلوبنا . والمعنى لا تكلفنا من العبادات ما لا نأمن معه الزيغ . وقد يقول القائل : لا تحملني على إيذائك أي لا تفعل ما أصير عنده مؤذيا لك . وزيف بأن التشديد في التكليف قبيح إن علم اللّه تعالى أن له أثرا في حمل المكلف على القبيح وإلا فوجوده كعدمه فلا فائدة في صرف الدعاء إليه . وقال الكعبي : لا تسمنا باسم الزائغ كما يقال : فلان يكفر فلانا أي يقول إنه كافر . وزيف بأن التسمية دائرة مع الفعل ، وفعل الزيغ باختيار العبد عندكم فالتسمية أيضا بسببه ، وقال الجبائي أيضا : لا تزغ قلوبنا عن جنتك وثوابك وهو كالأول إلا أن يحمل على شيء آخر وهو أنه تعالى إذا علم أنه مؤمن في الحال ، وعلم أنه لو بقي إلى السنة الثانية لكفر أماته في هذه السنة . ويرد عليه أنه لو كان علمه بأنه يكفر في السنة الثانية يوجب عليه أن يميته لكان علمه بأنه لا يؤمن قط ويبقى على الكفر طول عمره يوجب أن لا يخلقه . وعن الأصم أيضا : لا تزغ قلوبنا عن كمال العقل بالجنون بعد إذ هديتنا بنور العقل . ولا يخفى تعسفه وعدم مناسبته لقوله
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
. وقال أبو مسلم : احرسنا من الشيطان ومن شرور أنفسنا حتى لا نزيغ . ثم إنهم لما طلبوا أن يصونهم عن الزيغ وأن يخصهم بالهداية والرحمة فكأنهم قالوا ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقضية ، ولكن الغرض ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه أي في وقوعه . فاللام للوقت ، أو جامع الناس لجزاء يوم فحذف المضاف
إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
قيل : هو كلام اللّه تعالى كأنه يصدقهم فيما قالوه ، ولو كان من تمام قول المؤمنين لقيل : إنك لا تخلف . إلا أن يحمل على الالتفات ومعناه أن الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك : إن الجواد لا يخيب سائله . ولا سيما وعد الحشر والجزاء لينتصف للمظلومين من الظالمين . والميعاد المواعدة والوقت والموضع قاله في الصحاح .
واعلم أنه لا يلزم من أنه تعالى لا يخلف الوعد القطع بوعيد الفساق كما زعم المعتزلة ، لأن كل ما ورد في وعيد الفساق فهو عندنا مشروط بشرط عدم العفو ، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة بدليل منفصل . قال الواحدي : ولم لا يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء ، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب . قال بعضهم :
إذا وعد السراء أنجز وعده * وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه
وناظر أبو عمرو بن العلاء عمرو بن عبيد فقال : ما تقول في أصحاب الكبائر ؟ فقال :