تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
من هذا التكلف على ما ظن تصحيح لفظ القرآن كيلا تنخرم فصاحته فإنه أجل من أن يحتاج في تصحيحه إلى الاستشهاد بكلام الفصحاء من البشر ، وكيف لا وهو حجة على غيره وليس لغيره أن يكون حجة عليه . وإنما الغرض الضبط والتسهيل ما أمكن فتنبه . وللمفسرين في هذا الإلقاء خلاف فمنهم من قال إنه راجع إلى الإنفاق . وروى البخاري في صحيحه عن حذيفة قال : نزلت هذه الآية في النفقة . وذلك أن لا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم فيستولي العدو عليهم ويهلكهم ، أو ينفقوا كل مالهم فيحتاجوا ويجتاحوا فيكون نهيا عن التقتير والإسراف وعنهما جميعا
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
[ الفرقان : 67 ] أو المعنى : أنفقوا في سبيل اللّه ولا تقولوا إن أنفقنا نهلك ذلا وفقرا . نهوا عن أن يحكموا على أنفسهم بالهلاك للإنفاق ، أو أنفقوا ولا تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة والإحباط منا أو أذى أو رياء وسمعة مثل
وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ
[ محمد : 33 ] ومنهم من قال : إنه راجع إلى غير الإنفاق أي لا تخلوا بالجهاد فتتعرضوا للهلاك الذي هو سخط اللّه وعذاب النار ، أو لا تقحموا في الحرب حيث لا ترجون النفع ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل كما روي عن البراء بن عازب أنه قال في هذه الآية : هو الرجل يستقتل بين الصفين . وإنما يجب أن يتقحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل . روى الشافعي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر الجنة فقال له رجل من الأنصار : أرأيت يا رسول اللّه إن قتلت صابرا محتسبا ؟ قال : لك الجنة . فانغمس في جماعة العدو فقتلوه . وأن رجلا من الأنصار ألقى درعا كان عليه حين ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الجنة . ثم انغمس في العدو فقتلوه بين يدي الرسول . وروي أن رجلا من الأنصار تخلف من أصحاب بئر معونة فرأى الطير عكوفا على من قتل من أصحابه . فقال لبعض من معه : سأتقدم إلى العدو فيقتلونني ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي ففعل ذلك . فذكروا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال فيه قولا حسنا . وروى أسلم أبو عمران قال : كنا بمدينة الروم فأخرجوا لنا صفا عظيما من الروم ، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر ، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا : سبحان اللّه يلقي بيده إلى التهلكة ! فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : أيها الناس ، إنكم تأوّلون هذه الآية هذا التأويل ، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار . لما أعز اللّه الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سرا دون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إن أموالنا قد ضاعت ، وإن اللّه قد أعز الإسلام وكثر ناصروه . فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها . فأنزل اللّه تعالى على نبيه يرد علينا ما قلنا ، فكانت التهلكة الإقامة في الأموال
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 533 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات