تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
كما تقول في جواب من قال : ما رأيت خير « أي المرئي خير » . وفي جواب : ما الذي رأيت خيرا « أي رأيت خيرا » . والإرادة نقيض الكراهة ، قال الإمام الرازي : الإرادة ماهية يجدها العاقل من نفسه ويدرك التفرقة البديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذته . والمتكلمون أنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر ، لا في الوقوع بل في الإيقاع . واحترز بهذا القيد الأخير عن القدرة . واختلفوا في كونه تعالى مريدا مع اتفاق المسلمين على إطلاق هذا اللفظ على اللّه تعالى . فزعم النجار أنه معنى سلبي ومعناه أنه غير ساه ولا مكره . ومنهم من قال : إنه أمر ثبوتي . ثم اختلفوا فالجاحظ والكعبي وأبو الحسين البصري : معناه علمه تعالى باشتمال الفعل على المصلحة أو المفسدة ، ويسمون هذا العلم بالداعي أو الصارف . والأشاعرة وأبو علي وأبو هاشم وأتباعهم : أنه صفة زائدة على العلم . ثم القسمة في تلك الصفة أنها إما أن تكون ذاتية وهو القول الآخر للنجار ، وإما أن تكون معنوية ، وذلك المعنى إما أن يكون قديما وهو قول الأشعري ، أو محدثا وذلك المحدث إما أن يكون قائما باللّه تعالى وهو قول الكرّامية ، أو قائما بجسم آخر ولم يقل به أحد ، أو موجودا لا في محل وهو قول أبي علي وأبي هاشم وأتباعهما . وفي قوله
ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا
استرذال واستحقار كما قالت عائشة في عبد اللّه بن عمرو بن العاص حين أفتى بنقض ذوائب النساء في الاغتسال « يا عجبا لابن عمرو هذا » محقرة له . و
مَثَلًا
نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب غث « ما ذا أردت بهذا جوابا » ولمن حمل سلاحا رديئا « كيف تنتفع بهذا سلاحا » أو على الحال نحو
هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً
[ هود : 64 ] وقوله
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
جار مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين ب
أَمَّا
وأهل الهدى كثير في أنفسهم وحيث يوصفون بالقلة
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ سبأ : 13 ]
وَقَلِيلٌ ما هُمْ
[ ص : 64 ] إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال . وأيضا فإن المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة .
إن الكرام كثير في البلاد وإن * قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا
وإسناد الإضلال إلى اللّه تعالى إسناد الفعل إلى السبب البعيد ، لأنه لما ضرب المثل ازداد به المؤمنون نورا إلى نورهم فتسبب لهديهم ، وازدادت الكفرة رجسا إلى رجسهم فتسبب لضلالهم عن الحق . والفسق الخروج عن القصد قال رؤبة :
فواسقا عن قصدها جوائرا * يذهبن في نجد وغورا غائرا
والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر اللّه بارتكاب الكبيرة ، وهو عند أهل السنة من