قد ظن الزمخشري أن قوله :
اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً
خطاب لآدم وحواء خاصة ، وعبر عنهما بالجمع لاستتباعهما ذرياتهما . قال : والدليل عليه قوله تعالى : 70 : 123
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
قال : ويدل على ذلك قوله :
فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم ، ومعنى قوله :
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم بعضا .
وهذا الذي اختاره أضعف الأقوال في الآية . فإن العداوة التي ذكرها اللّه تعالى إنما هي بين آدم وإبليس وذريتهما ، كما قال تعالى : 35 : 6
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
وهو سبحانه قد أكد أمر العداوة بين الشيطان والإنسان ، وأعاد وأبدى ذكرها في القرآن لشدة الحاجة إلى التحرز من هذا العدو . وأما آدم وزوجه فإنه إنما أخبر في كتابه أنه خلقها له ليسكن إليها وجعل بينهما مودة ورحمة « 1 » . فالمودة والرحمة بين الرجل وامرأته والعداوة بين الشيطان والإنسان . وقد تقدم ذكر آدم وزوجه وإبليس ، وهم ثلاثة ، فلما ذا يعود الضمير على بعض المذكور ، مع منافرته لطريق الكلام دون جميعه ؟ مع أن اللفظ والمعنى يقتضيه . فلم يصنع الزمخشري شيئا .
وأما قوله تعالى في سورة طه : 20 : 123
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
فهذا خطاب لآدم وحواء . وقد جعل بعضهم لبعض عدوا ، فالضمير في قوله
اهْبِطا مِنْها
إما أن يرجع إلى آدم وزوجته ، وإما أن يرجع إلى آدم وإبليس ، ولم يذكر الزوجة لأنها تبع له .
هامش
( 1 ) سورة الروم الآية : 21 .