تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم ) — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
ويكون قوله تعالى :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
مطابقا لقوله تعالى
« أَطْفَأَهَا اللَّهُ »
ويكون تخييبهم وإبطال ما راموه : هو تركهم في الظلمات والحيرة لا يهتدون إلى التخلص مما وقعوا فيه ، ولا يبصرون سبيلا ، بل هم صم بكم عمي . وهذا التقدير - وإن كان حقا - ففي كونه مرادا بالآية نظر . فإن السياق إنما قصد لغيره ، ويأباه قوله تعالى :
فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ
وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبدا ، ويأباه قوله تعالى :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
وموقد نار الحرب لا نور له . ويأباه قوله تعالى :
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
وهذا يقتضي أنهم انتقلوا من نور المعرفة والبصيرة إلى ظلمة الشك والكفر . قال الحسن : هو المنافق ، أبصر ثم عمي ، وعرف ثم أنكر . ولهذا قال :
فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
أي لا يرجعون إلى النور الذي فارقوه . وقال تعالى في حق الكفار : 2 : 171
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
فسلب العقل عن الكفار ، إذ لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان ، وسلب الرجوع عن المنافقين ، لأنهم آمنوا ثم كفروا فلم يرجعوا إلى الإيمان . فصل

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 19 ]

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) فشبه نصيبهم مما بعث اللّه تعالى به رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من النور والحياة بنصيب مستوقد النار التي طفئت عنه أحوج ما كان إليها . فذهب نوره ، وبقي في الظلمات حائرا تائها ، لا يهتدي سبيلا ، ولا يعرف طريقا ، وبنصيب أصحاب الصيّب ، وهو المطر الذي يصوب ، أي ينزل من علو إلى سفل . فشبه الهدى الذي هدى به عباده بالصيب . لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر ، وشبه نصيب المنافقين من هذا الهدى بنصيب من لم يحصل له نصيب من الصيب إلا ظلمات ورعد
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم ) — صفحة 120 | ابن قيم الجوزية / مكتب الدراسات والبحوث العربيه و الاسلاميه