وهذه الآية نزلت في معرض أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال فرغ اللّه تعالى من أربع ، من الخلق والخلق ، والرزق والأجل ، فقالت اليهود فالآن ليس له شغل ، وهذا أمر بالتعطيل ، واعتقاد فاسد عند التحقيق ، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله :
نعم له شغل من غير اشتغال به وهو إيصال ما ثبت في القضاء إلى القدر . فنزل جبرئيل عليه السّلام بقوله تعالى :
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
[ سورة الرّحمن : 29 ] .
وشأنه ما ذكرناه ، وهو إيصال القضاء الّذي هو الإجمال إلى القدر الّذي هو التفصيل ، لقوله أيضا :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ
[ سورة السجدة : 5 ] .
أي من العلويّات إلى السّفليّات ، ومن الرّوحانيّات إلى الجسمانيّات ، أو من الملكوت إلى الملك ، أو من الغيب إلى الشهادة ، فإنّ الكلّ واحد كما قيل :
العين واحدة والحكم مختلف * وذاك سرّ لأهل العلم ينكشف
فافهم جدا فإنّه دقيق .
وإلى الشؤون المذكورة أشار القوم في اصطلاحهم بقولهم :
الشؤون الذاتيّة اعتبار نقوش الأعيان والحقائق في الذّات الأحديّة كالشجرة وأغصانها وأوراقها وأزهارها وثمارها في النّواة مثلا وهي الّتي تظهر في الحضرة الواحديّة وتنفصل في الحضرة الأحديّة ، وقسّموها أيضا أقساما وجعلوا هذا القسم من الحروف العاليات والشؤون الذاتيّات ، لقولهم :
الحروف العاليات هي الحقائق الكامنة في ذاته المقدّسة ، كالشجرة في النواة .
ومعلوم أنّ الذّات الأحديّة أعلى العاليات وأعظم الموجودات وأشرفها وبل موجودها ومنشئها ، وإلى هذه الحروف وثبوتها في الحضرة العلميّة ، والعوالم الغيبيّة المعبّرة عنهما بالذّات الأحديّة ، أشار العارف نظما وقال :