متاع الآخرة ، فتارة يطرأ على ذلك اليقين غفلة عنه ونسيان له بسبب الاشتغال باللّذات الحاضرة والانهماك فيها ، وذلك معنى قوله تعالى :
فَنَسِيَ *
.
وتارة لا تحصل الغفلة الكلّيّة بل يكون الوهم المذكور قويّا فيعارض ذلك اليقين بحيث يوجب في مقابلته شبهة وشكّا ، وذلك معنى قوله عليه السّلام : فباع اليقين بشكّه ، ولا منافاة بين قوله تعالى :
فَنَسِيَ *
، وبين الشكّ هاهنا .
وقوله : والعزيمة بوهنه ، أي تعوّض من العزم والتصميم الّذي كان ينبغي له في طاعة الحقّ سبحانه بالضعف والتعاجز عن تحمّله كما قال تعالى :
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
[ سورة طه : 115 ] .
واطلاق لفظ البيع هاهنا استعارة حسنة إذ كان مدار البيع على استعاضة شيء بشيء سواء كان المستعاض أجلّ أو أنقص ، ومثله قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ
[ سورة البقرة : 86 ] .
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
[ سورة البقرة : 16 ] .
وقوله : « فاستبدل بالجذل وجلا » ، وبالاغترار ندما ، إلى قوله : « وتناسل الذّرّيّة » .
فيه تقديم وتأخير ، وتقديره : والعزيمة بوهنه ، فأهبطه اللّه إلى دار البليّة وتناسل الذريّة ، فاستبدل بالجذل وجلا وبالاغترار ندما ، ثمّ أناب إلى اللّه فبسط له في توبته ولقاه كلمة رحمته ووعده المردّ إلى جنّته ، وذلك لأنّ الإهباط عقيب الزلّة ، واستبدال الجذل بالوجل بعد الإهباط من الجنّة ، والإخراج منها ، وقد ورد القرآن الكريم بهذا النظم في سورة البقرة ، وهو قوله :
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا
[ سورة البقرة : 36 ] .
ثمّ قال عقيبه :
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ
[ سورة البقرة : 37 ] .
وورد أيضا على النظم الّذي ذكره عليه السّلام في سورة طه وذلك قوله :
وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى قالَ اهْبِطا
[ سورة طه : 121 - 123 ] .