القوّة في الكيفيّة وهي ان يكون معتدلا في اللطافة والغلظ ، وأن يكون شديد الصفا .
وأمّا السبب الفاعلي له فالأصل فيه تخيّل الكمال كالعلم والقدرة والإحساس بالمحسوسات الملائمة والتمكّن من تحصيل المرادات والقهر والاستيلاء على الغير والخروج عن المؤلم وتذكر الملذّات . وأمّا أسباب الغم فمقابلات هذه ، أمّا السّبب المعدّ الجسمانيّ فهو إمّا قلّة الروح كما للناقهين والمنهوكين بالأمراض و ( الشيوخ ) والمشايخ ، وأمّا غلظه ( غلظة ) فكما للسوداويين ، وأمّا رقّته ( رقّة ) فكما للنساء ، وأمّا الفاعلي فمقابل أسباب السرور ، وقد يشتدّ كلّ منهما بعد الأسباب المذكورة بتكرّره فيصير السرور أو الغمّ ملكة ، ويسمّى صاحبه مفراحا أو مخرانا ، ومقصوده عليه السّلام التنبيه على أنّ طبيعة الإنسان فيها قوّة قبول واستعداد لهذه الكفيّات وأمثالها ، وتلك القوّة هي المراد بطينة المساءة والسّرور ، والفرق بينها وبين الاستعداد أنّ القوّة تكون على الضدّين والاستعداد لا يكون إلّا لأحدهما .
قوله : « واستأدى اللّه سبحانه الملائكة وديعته لديهم ، وعهد وصيّته إليهم إلى قوله :
إلّا إبليس » .
أقول : لمّا كان الّذي يشير إليه كلّ إنسان بقوله أنا هو النّفس الناطقة كان آدم عندهم عبارة عن النّفس الناطقة ثمّ قالوا : المراد بالملائكة الّذين أمروا بالسّجود لآدم هي القوى البدنيّة الّتي أمرت بالخضوع والخشوع لتكرمة النّفس العاقلة ، والانقياد تحت حكمها وهو الأمر الّذي لأجله خلقوا ، أمّا عهد اللّه لديهم ووصيّته إليهم فهو المشار إليه بقوله تعالى :
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
[ سورة ص : 72 ] .
والخطاب هاهنا خطاب الحكمة الإلهيّة بالقضاء الأزلي قبل الوجود والاستيذاء لذلك العهد وتلك الوصيّة هو طلب المأمور به أوّلا من الانقياد ، والخضوع من تلك القوى بعد الوجود على ألسنة الرّسل عليهم السّلام بالوحي المنزل وهو قوله :
« فاسجدوا لآدم » ، وقوله : « فسجدوا » ، إشارة إلى القوى المطيعة لنفوسها العاقلة في أشخاص عباد اللّه الصّالحين ، قوله : « إلّا إبليس » وقبيله إشارة إلى الوهم وسائر