وكقول فخر الدّين الرّازي في مفاتيح الغيب « 2 » ، فانّه قال فيه وجوه : منها ، قوله :
لقائل أن يقول : المشار إليه ( هاهنا ) حاضر و « ذلك » اسم مبهم يشار به إلى البعيد ، والجواب عنه من وجهين :
الأوّل ، لا نسلّم أنّ المشار إليه حاضر ، وبيانه من وجوه :
الأوّل ، قال الأصم : أنّ اللّه تعالى أنزل الكتاب بعضه بعد بعض فنزل قبل سورة البقرة سور كثيرة بمكّة ممّا كان فيه دلالة على التّوحيد وفساد الشّرك وإثبات النبوّة والمعاد ، فقوله : « ذلك » ، إشارة إلى تلك السّور الّتي نزلت قبل هذه السّورة ، وقد يسمّى بعض القرآن قرآنا ، قال تعالى :
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
[ سورة الأعراف : 204 ] .
وقال حاكيا عن الجنّ :
إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً
[ سورة الجنّ : 1 ] .
ولم يسمعوا كلّ القرآن بل بعضه .
الثّاني ، أنّ اللّه وعد رسوله عند مبعثه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الباطل ولا الماء « 3 » ، وأخبر امّته بذلك وروت الأمّة عنه ذلك ، ويؤكّده قوله تعالى :
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
[ سورة المزمل : 5 ] .
وهي نزلت في ابتداء المبعث .
والثّالث أنّه تعالى خاطب بني إسرائيل ، وسورة البقرة مدنيّة وأكثرها احتجاج على اليهود وعلى بني إسرائيل لأنّ موسى وعيسى عليهما السّلام بشّرا بقدوم النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وانّ اللّه ينزل عليه كتابا فقال تعالى :
هامش
( 2 ) قوله : كقول فخر الدّين الرّازي .
راجع التفسير الكبير للفخر الرّازي ج 2 ، ص 12 .
( 3 ) قوله : لا يمحوه الباطل ولا الماء .
العبارة في المصدر كما يلي : أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماحي .