( المراد من استوى الربّ على العرش )
وكقوله :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ سورة طه : 5 ] .
فإن معناه أن الرحمن على العرش استوى أي غلب عليه وظهر فوقه بالقوة والقدرة ، وتخصيص التغلب ( التغليب ) والقدرة بالعرش مع استواء هذا المعنى في الكلّ ، لأنّ العرش أعظم الأشياء في هذا العالم ، والغالب على الأعظم يكون غالبا على الأصغر بطريق أولى ، وهذا من طريق المفسّرين وأهل الظّاهر ، وأمّا في طريق المحقّقين وأرباب الباطن وفيه بسط وتأويل طويل ، سيجيء في موضعه إن شاء اللّه ، لأنّ هذا المكان لا يحتمل مجموعه وإن شرعنا في بعضه لا ينفع ، لأنّ البعض بدون الكلّ في أكثر المواضع غير مفيد خصوصا بالنسبة إلى هذا الموضع ، واللّه أعلم وأحكم .
وأما قوله عزّ وجلّ :
وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي
[ سورة طه : 81 ] .
وقوله :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
[ سورة آل عمران : 54 ] .
وقوله :
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
[ سورة النساء : 142 ] .
وقوله :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ
[ سورة البقرة : 15 ] .
وأمثال ذلك من الأقوال الدالة على التشبيه والتّجسيم والاتّصاف بصفات الخلق ، فالكل راجع إلى شيء واحد ، وهو جزاؤه لهم في كل ذلك يوم القيامة بالعذاب والنكال ، أو في الدنيا بالابتلاء في الأموال والأنفس ، فيكون تقديره : أنه المعطي جزاء المكر والسّخريّة والاستهزاء والخدع .
والغضب من اللّه ليس إلّا من عدم الرّضا وحلول العذاب على المغضوب عليه ، وهذا من حيث الظاهر ، وأمّا من حيث الباطن ، فتقابل الأسماء ، كالجلاليّة والجماليّة ، واللّطفيّة والقهريّة ، فإنّ الوجود مترتّب على ترتيب الأسماء ، فبإزاء كل اسم من أسماء اللّه الجماليّة اسم آخر من الأسماء الجلاليّة ، وكذلك مظاهرهما ، وتارة يغلب مظهر الاسم القهّار على اللّطيف ، وتارة مظهر الاسم اللّطيف على