رسّم أوّلا صور الموجودات كلّها في عالم العقول رسما كلّيّا إجماليّا المشار إليه في قوله :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
[ سورة الرعد : 39 ] .
ثم انتقش منه بطريق الفيض بحكم قوله :
ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ
[ سورة القلم : 1 ] .
إلى ألواح عوالم النفوس نقشا جزئيّا تفصيليّا لقوله :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
[ سورة البروج : 21 - 22 ] .
ثمّ أوجدها في عالم الأجسام مطابقا لما في العالمين بحكم :
وَالطُّورِ . وَكِتابٍ مَسْطُورٍ . فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ
[ سورة الطور : 1 - 3 ] .
فعالم الأجسام وما فيه من الموجودات والمخلوقات يكون عكس الصّور الّتي في عالم النّفوس وما فيه من الرّوحانيّات ، وعالم النّفوس وما فيه يكون عكس الصّور الّتي في عالم العقول وما فيه من المجرّدات ، وعالم العقول والمجرّدات يكون عكس عالم الأسماء والصّفات ، وعالم الأسماء والصّفات يكون عكس عالم الذّات وما فيها من الكمالات ، وإن شئت قلت : هذا بالنّسبة إلى الملك والملكوت والجبروت والأسماء والصّفات والذّات ، فإنّ الكلّ واحد .
عباراتنا شتّى وحسنك واحد * وكل إلى ذاك الجمال يشير
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
[ سورة العنكبوت :
43 ] .
وإن قلت : إنّ من قوله الإجمالي وإن كان يفهم أنّه خلق السّموات والأرض في ستّة أيّام ، لكن من قوله التّفصيلي يفهم أنّه خلق السماوات وما بينهما في ثمانية أيّام وهو قوله :
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ