تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اسئلة القرآن المجيد وأجوبتها من غرائب آي التنزيل — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
[ 101 ] فإن قيل : زكريّا سأل الولد بقوله :
هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
[ آل عمران : 38 ] واللّه تعالى بشّره بيحيى ، عليه السلام ، على لسان الملائكة ؛ فكيف أنكر ، بعد هذا كلّه ، قدرة اللّه تعالى على إعطائه الولد ، حتى قال :
رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ
[ آل عمران : 40 ] . قلنا : إنّما قاله على سبيل الاستفهام والتّعجّب من عظيم قدرة اللّه تعالى ، لا على طريق الإنكار والاستبعاد ؛ أو اشتبه عليه كيف يعطى الولد ، وهو شيخ ، وامرأته عاقر ؛ أو تزول عنهما هاتان الصفتان لكشف الحال . تقديره :
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ
[ آل عمران : 40 ] . ولقائل أن يقول : آخر الآية لا يناسب هذا الجواب . [ 102 ] فإن قيل : ما فائدة تكرار ذكر الاصطفاء ، في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ
[ آل عمران : 42 ] . قلنا : الاصطفاء الأوّل : العبادة التي هي خدمة البيت المقدّس ، وتخصيصها بقبولها في النذر ؛ مع كونها أنثى . والاصطفاء الثّاني : لولادة عيسى ، عليه السلام ؛ أو أعيد ذكر الاصطفاء ، ليفيد بقوله :
عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
[ آل عمران : 42 ] فيندفع وهم أنّها مصطفاة على الرّجال . [ 103 ] فإن قيل : كيف نفى حضور النبيّ ، عليه الصلاة والسلام ، في زمن مريم بقوله :
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ
[ آل عمران : 44 ] ، الآية ؛ وذلك معلوم عندهم ، لا شكّ فيه ، وترك نفي استماعه ذلك الخبر من حفّاظه وهو الّذي كانوا يتوهّمونه ؟ قلنا : كان معلوما ، أيضا ، عندهم ، علما يقينا أنّه ليس من أهل القراءة والرّواية . وكانوا منكرين للوحي . فلم يبق إلّا المشاهدة والحضور ، وهي في غاية الاستحالة ؛ فنفيت ، على طريق التهكّم بالمنكرين للوحي ؛ مع علمهم أنّه لا قراءة له ولا رواية . ونظيره قوله تعالى :
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ
[ القصص : 44 - 46 ] . [ 104 ] فإن قيل : كيف قال : اسمه المسيح عيسى ابن مريم ، والخطاب مع مريم ، وهي تعلم أنّ الولد الّذي بشّرت به يكون ابنها ؟ قلنا : لأنّ الأبناء ينسبون إلى الآباء ، لا إلى الأمهات ؛ فأعلمت ، بنسبته إليها ، أنه يولد من غير أب ؛ فلا ينسب إلّا إلى أمه . [ 105 ] فإن قيل : أيّ معجزة لعيسى ، عليه الصلاة والسلام ، في تكليم الناس كهلا ؟ وأيّ خصوصيّة له في هذا ؛ حتّى قال :
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا
[ آل عمران : 46 ] ؟ قلنا : معناه ويكلّم الناس ، في هاتين الحالتين ، بكلام الأنبياء ؛ من غير تفاوت بين حال الطفوليّة وحال الكهوليّة الّتي يستحكم فيها العقل ، وينبّأ فيها الأنبياء . فكأنه
اسئلة القرآن المجيد وأجوبتها من غرائب آي التنزيل — صفحة 37 | محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي