تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
والنفس اللوامة عالم ، يظهر من النفس اللوّامة لحار فيها ما يظهر يوم القيامة ؛ لأن الملكوت والجبروت تظهر بنورها وسناها وعجائبها وغرائبها بتجل من النفس اللوامة ، وغرض الكل من العرش إلى الثرى هي النفس اللوامة ، والنفس اللوامة الروح الناطقة العالمة بربها ، العارفة بصانعها ، المحبة لمدبّرها ، المشتاقة إلى اللّه ، العاشقة باللّه ، تلوم نفسها عند كل خطرة تطأها بنعت الوقفة على ما يجد من اللّه من سنا الدرجات ، ورفيع المقامات ، وتلوم على قصور معرفتها باللّه على الحقيقة ، ولا تأتي حضرة اللّه إلا بنعت الخجل والحياء ، وهي لا تنظر إلا الأعمال وأعواضها ، فإن جميع الأعمال لا تزن عندها جناح بعوضة ، بل تلوم النفس الإنسانية الحيوانية والجسمانية بما يقترف من الذنوب والسيئات ، حين لم توافق العقل القدسي الذي هو وزيره ، وتلك الملامة منها إذا كانت في السير ، فإذا وصلت مشاهدة الحق والغاية في شهود الغيب سقطت عنه الملامة ؛ لأن هناك تفنى ، لا رسوم ، ولا يبقى للحدثان أثر ، فيخرج من بحر الربوبية على نعت الطمأنينة ، فإذا كادت أن تشتغل برسوم العبودية ناداها الحق ، ودعاها إلى نفسه بقوله :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ .
قال سهل : « النفس اللوّامة » : هي النفس الأمّارة بالسوء ، وهي قرينة الحرص والأمل . [ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 7 إلى 21 ] فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ ( 7 ) وَخَسَفَ الْقَمَرُ ( 8 ) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ( 9 ) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ( 10 ) كَلاَّ لا وَزَرَ ( 11 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ( 12 ) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ ( 13 ) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 14 ) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ ( 15 ) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ( 20 ) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ( 21 ) قوله تعالى :
فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ ( 7 ) وَخَسَفَ الْقَمَرُ ( 8 ) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
( 9 ) : هذا على الظاهر جواب المنكر البعث ، ولأهل الحقائق هناك وصال لا انفصال فيه ، وذلك حين عاين قدس ذات القديم ، فبرقت أبصار العارفين في سطوات عظمته ، وخسفت أقمار قلوبهم في معاينة عزته ، فهناك محل الفناء في الحق حين بانت شموس الذات ، وأقمار الصفات ، وجمعت أنوارها في قلوب العارفين ، وهم يذوبون تحت أثقال صدماتها ، فيفرون منه لضعفهم عن حمل واردات القدسية ، وبديهات كشوفات الألوهية ، ويطلبون مقر الأنس من رؤية القدس ، فأكّد اللّه أمر بقائهم فيه بنعت الفناء حيث قال :
كَلَّا لا وَزَرَ ( 11 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
( 12 ) أي : مستقركم بين أنوار جلالي وجمالي ، لا يطّلع عليكم غيري ، وهم فيها أبد الآبدين .
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 469 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )