قوله تعالى :
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
( 23 ) كان الملعون مشبها لذلك قال :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
أي : شيء هو ؟ فوقع في الخيال ، فأجابه موسى :
قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا
أي : موجد الأشياء بلا كيف ، وهو منزه عن التكييف والتصوير ، وزاد الحجة عليه من حيث قطع نسبة التشبيه عنه بقوله :
قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
( 26 ) أي : ليس الخالق كالمخلوق أوجدكم وأوجد آباءكم من العدم بقوة القدم ، ومن كان قديما انقطع عنه إشارات الأوهام والخيال ، فلما سمع الملعون حجة كاملة ، وعلم أن حجته القطع نسب موسى إلى الجنون لما لم يكن له جواب لموسى ، وخاف أن يسقط من أعين قومه .
قال عمرو المكي : علم فرعون أن الحجة قد وجبت فخاف الافتضاح عند قومه ، فأعرض عن مساءلة موسى ، ورجع إلى قومه ، وقال :
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
.
قال موسى :
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
تبين بذلك حجته ، وظهر افتضاحه في انقطاعه ، فثبت الحجة عليه إذ لم يدفع الحجة بحجة ، والإشارة في قوله :
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
مشرق قلوب العارفين يشرق بطلوع شمس تجلي الصفات والذات ، ومغرب نفوسهم التي هي معدن ظلمات قهره حين ابتلاهم بالاستتار بعد التجلي .
قال ابن عطاء : منور قلب أوليائه بالإيمان ، ومشرق ظواهرهم به ، ومظلم قلوب أعدائه بالكفر والعصيان ، ومظهر آثار تلك الظلم على هياكلهم .