قوله تعالى :
لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا
: وصف اللّه المنافقين بالبخل والحرص والحسد على أمر الدين من قلة معرفتهم بجاههم عند اللّه ، وحسن عواقبهم عنده ، وسبق عناية اللّه فيهم ، وخذلان أهل النفاق ، وفي كل موضع فيه نفاق ، فالبخل والحسد لازمته .
قال الواسطي : من طالع الأسباب في الدنيا والأعواض في الآخرة لم يفقه قلبه وبقي في حجاب نفسه ومراده ، ألا ترى المنافقين كيف احتالوا بالبخل عليهم بالدنيا ، ولم يعلموا أن ذلك لا يحجبهم عن التوفيق ، وكيف حكى الحق بقوله :
وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ
( 7 ) ، ثم بيّن اللّه أن له خزائن السماوات والأرض يفتحها لأوليائه ، فيعطيهم من فضله ، ولا يحتاجون إلى من سواه بقوله :
وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
: « خزائن السماوات » : قدرته وجبروته ، و « خزائن الأرض » : ملكه وسلطانه ، له في السماوات خزائن قلوب المقربين ، وفي الأرض خزائن قلوب العارفين .
قال الجنيد : « خزائنه في السماوات » : الغيوب ، و « خزائنه في الأرض » : القلوب ، فما انفصل من الغيوب وقع على القلوب ، وما انفصل من القلوب صار إلى الغيوب ، والعبد مرتهن بشيئين : تقصير الخدمة ، وارتكاب الزلّة .
قال رجل لحاتم الأصمّ : من أين تأكل ؟ فقال :
وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 1 » .
قوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ
: بيّن اللّه سبحانه مقام عين الجمع ، وهو ظهور أنوار عزته للأنبياء والمرسلين والعارفين والصادقين ، وباشر نور عزّته قلوبهم ، فصاروا متصفين به ، متعززين بعزته ، فعزة اللّه معدن عزتهم ، وهم مكتسون بكسوة عزه ، فإذا ظهر ذلك النور منهم يتدلل لهم الحدثان والزمان والمكان والإنس والجان والأسد والثعبان والمياه والنيران والأمير والسلطان ، « فعزة اللّه » : جبروته ، و « عزة الرسول » : برهان نبوته ، و « عزة
هامش
( 1 ) كل ما عند العبد من مال فهو خزانة الحق عنده والعبد خازنه فمهما تعدى خزانة مولاه بغير إجازة استحق السياسة بقطع آلة التعدي إلى خيانة خزانته وهي اليد المتعدية .