قوله تعالى :
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ
أي : لقد ظهرت أنوار صفاتي في مباشرة أمري في أطوار فطرتكم الأولية ، ما رأيتم تلك المشاهدات بإسبالي ستور الغبرة على أعينكم ، وكيف ينفع العلم بصورة الأفعال ، إذا لم يدرك لطائف اصطناعه ، ولم ير حقائق أنواره .
هذا آدم بديع فطرته ، وخليفة ملكه ، ظهر الحق منه ببديع الآيات ، وحقائق أنوار الصفات ، خلقه من تراب ، ثم خلق ذريته من نطفة ، فباشر سر الحقيقة النطفة ، كما باشر التراب ، يا ليت لذريته لو عرفوا منشأه ومبدأه ، كما عرف آدم نفسه ، لكانوا عارفين بربهم بحقيقة العرفان ، لا برسم الأدلّة والبرهان .
قال القاسم : ألم تعلموا إنّا خلقناكم من تراب ، ثم من مضغة ، ثم من علقة ، ثم من ماء مهين ، أفلا تتعظون بهذه المواعظ ، وتبصرون إلى عجائب الصنع فيكم ، وتستحيون من هذه الدعاوي ، والأماني ، والإضافات ، وتلزمون الأدب ، فإنّ من تعدّى طوره هتك ستره .
[ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 73 ]
نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ ( 73 )
قوله تعالى :
نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً
: جعل اللّه تعالى آياته بصنوفها مرأى أنوار صفاته ، يتجلّى منها لأبصار العارفين ، ويقوّي برؤيتها أرواح الموحدين ، وتستقيم بها عقول الصادقين ، وتفزغ من مواعظها قلوب الخاشعين ، فصاروا في معابد العبودية متذلّلين ، وفي مراقد أنوار عظمته متواضعين .
قال جعفر : موعظة للتائبين ، وآلة للأقوياء من العارفين في حمله .
قوله تعالى :
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
( 74 ) .
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
: أمر اللّه حبيبه عليه الصلاة والسلام أن ينزه نفسه عند رؤية الآية ونعمائه وظهوره ، بكشف الصفات والذات من مشكاة آياته ، بأنّه منزّه عن أن تكون الحوادث محلّه ، أو أن يلحق إليه بنعت مباشرة شيئا من الحدثين ، فأمره أن ينزّهه ، ويسبحه به لا بنفسه ، ألا يرى كيف قال :
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
( 74 ) ، والمسمّى والاسم واحد في واحد أي : قدّسي بي ، فإني أعظم من أن تقدسني بنفسك ، أو بشيء من دوني ، ألا ترى إشارة قوله :
الْعَظِيمِ
عظم جلاله ، أن يبلغ إلى مدحه الخليقة ، أو أن تصفه البريّة .
قال الواسطي : سبّحه باسمه ، فإن الاسم والمسمى هو الشيء بعينه ، وهو العظيم .