قال بعضهم : ما سلط اللّه عليك فهو من جنوده ، إن سلط عليك نفسك أهلك نفسك بنفسك ، وإن سلط عليك جوارحك أهلك جوارحك بجوارحك ، وإن سلط نفسك على قلبك قادتك في متابعة الهوى وطاعة الشيطان ، وإن سلط قلبك على نفسك وجوارحك زمّها بالأدب ، فألزمها العبادة ، وزيّنها بالإخلاص في العبودية ، وهذا تفسير قوله :
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .
[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 8 ]
إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 8 )
قوله تعالى :
إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً
( 8 ) أي : شاهدا على توحيدهم ومعرفتهم ومحبتهم وولايتهم ، وبنور اللّه على قلوبهم وأسرارهم ، ومبشرا يبشرهم بالوصال ورؤية الجمال والجلال ، ونذيرا من العتاب والحجاب ، وأيضا شاهدا للعارفين ، بدا من الحق لهم ؛ ليروا امن مشاهدته أنوار جمال الحق ، ومبشرا للمحبين ، يبشرهم بالوصال إلى قرب حبيبهم بلا علة ، ونذيرا للمقبلين إليه لئلا يميلوا إلى غيره .
قال سهل : شاهدا عليهم بالتوحيد ، ومبشرا لهم بالمعرفة والتأييد ، ونذيرا محذرا إياهم البدع والضلالات .
قال ابن عطاء : شاهدا علينا ، ومبشرا لنا ، نذيرا عنا ، وداعيا إلينا ، وأنت المأذون في الكل ؛ لأنك أمين على الكل ، ولا يطيق هذه المراتب إلا الأمناء ؛ فإنك الأمين حق أمين .
[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 9 ]
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ( 9 )
قوله تعالى :
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
أي : جعلك شاهدا لهم ؛ ليؤمنوا باللّه ورسوله أي : ليشاهدوا بأسرارهم مشاهدة اللّه ، ويدركوك في محل الجلال والجمال ، ويعرفوا قدرك في قدري وقدري في قدرك ؛ حيث سرت مرآتي ، أتجلى منك لهم ؛ لذلك قال عليه الصلاة والسّلام : « من رآني فقد رأى الحقّ » « 1 » ، ويعزروا أمري فيك ببذل وجودهم ، ويوقروك بما ألبستك وقاري وهيبتي ، ويوقروا كلامي وخطابي الذي أنزلت عليك بنعت المتابعة ، ويقدسوني من الأضداد والأنداد ، وعن أن يجد أحد سبيلا إلى كنه معرفتي وجلال قدري ، أول الخطاب توحيد بقوله :
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ
، وهو مقام الجمع ، ثم مقام التفرقة بقوله :
وَرَسُولِهِ
، ثم رؤية الصفات في الفعل وهو مقام الالتباس بقوله :
وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ
، ثم إفراد القدم عن الحدوث بقوله :
وَتُسَبِّحُوهُ
،
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .