تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
قال الواسطي : من قال لا إله إلا اللّه على العادة فهو أحمق ، ومن قالها تعجبا فهو مصروف من الحق ، ومن قالها على الإخلاص فأشرك وطعنه ؛ لأنه بإياه يخلص حتى يصير مخلصا ، ومن قالها على الحقيقة فقد تبتل عن الشواهد . وقال القاسم : العلماء أربعة : عالم متروك ، وعالم متمكن ، وعالم موصول ، وعالم مجذوب ، فالعالم المتروك هم العامة ، والعالم المجذوب وهم الذين جذب اللّه سرائرهم إلى سره ، والعالم الموصول هم الذي يطلبون المعالية ، والعالم المتمكن وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم وحد القرار في محل المشاهدة ؛ لذلك خوطب بقوله :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
، ولم يقل فاعرف ؛ لأن الإنسان قد يعرف الشيء ولا يحيط به علما ، ما علمه وأحاط به علما فقد عرفه . وقال الواسطي : هما دعوتان : دعا إبراهيم إلى قوله :
أَسْلَمَ *
، ودعا محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى قوله :
فَاعْلَمْ
، دعا أحدهما إلى العلم ، والآخر إلى الإسلام ، وأعلاهما العلم ؛ فهو مرتبة الأجلّة ، والإسلام هو الانقياد ، والانقياد إظهار العبودية ، والعلم إظهار الربوبية ، لا جرم ابتلى حين قال :
أَسْلَمْتُ
بالنار وذبح الولد وغيرهما . وقيل : قال لإبراهيم :
أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ
: ابتلى لما قال ، ونبينا صلى اللّه عليه وسلم لم يقل علمت فعوفي ، وما ينكث في سري من الحال هواتف أطيار الغيب التي تنبه أهل الأفهام أنباء الربانية أن اللّه اختبر الخليل بروية الفعل والعلم بالصفة ؛ حيث قطع الطيور ليرى أنوار الشاهد في الشواهد بقوله بعد أن أحياها :
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
، وحبل قدر المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، فامتحنه اللّه بالعلم بالذات هاهنا بقوله :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
، وهناك حيث قال للخليل :
أَسْلَمَ *
، فهناك امتحان بالعبودية ، وما قال للحبيب :
فَاعْلَمْ
امتحان بالربوبية ، فكم فرق بين هذين المنزلين ! فالخليل اجترأ من حيث شوقه ، وقال :
أَسْلَمْتُ
، وكان في سكر الخطاب ، ولو كان في وقت الصحو علم أن الحدثان لا ينقاد لعزّ ربوبيته كما يجب ، فإن الحادث لا يبلغ إلى حقيقة عبوديته ؛ إذ حقيقتها أن يشكر له بشيء يقابل القدم ، وهذا مستحيل ، فوقع إذا في الابتلاء ، فالخطابان مصدرهما واحد من حيث الأمر ، ولكن مصادرهما مختلفة . قال الواسطي : العلم حجة ، والمعرفة والغلبة غير محكوم بها . قال الحسين : العلم الذي دعي إليه المصطفى صلى اللّه عليه وسلم هو علم الحروف ، وعلم الحروف في لام ألف ، وعلم لام ألف في ألف ، وعلم الألف في النقطة ، وعلم النقطة في المعرفة الأصلية ، وعلم المعرفة الأصلية في علم الأول ، وعلم الأول في المشيئة ، وعلم المشيئة في علم الهو ، وهو