قوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها
: حرث الآخرة مشاهدته ووصاله وقربه ، وهذا للعارفين ، وحرث الدنيا الكرامات الظاهرة ، ومن شغلته الكرامات احتجب بها عن الحق ، لو يزيد من حرث الدنيا فهو معرفة اللّه ومحبته وخدمته ، وإلا فلا يزن الكون عند أهل المعرفة ذرة .
قال بعضهم في هذه الآية : من عمل للّه محبة له لا طلبا للجزاء صغر عنده كل شيء دون اللّه ؛ فلا يطلب حرث الدنيا ولا حرث الآخرة ، بل يطلب اللّه من الدنيا والآخرة .
قال سهل : حرث الدنيا القناعة ، وحرث الآخرة الرضا .
وقال أيضا : حرث الآخرة القناعة في الدنيا والمغفرة في الآخرة والرضا من اللّه في كل الأحوال ، وحرث الدنيا قضاء الوطر منها والجمع منها والافتخار بها ، ومن كان بهذه الصفة فما له في الآخرة من نصيب .
قال الأستاذ : نزيده اليوم في الطاعات توفيقا ، وفي المعارف وصفاء الحالات تحقيقا ، ونزيده في الآخرة ثوابا واقترابا وفنون النجاة وصنوف الدرجات .
[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 23 ]
ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ( 23 )
قوله تعالى :
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
: قدّس اللّه تعالى بهذه الآية حال نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يكون قلبه مشوبا بشيء من الحدثان في دعاء الخلق إليه ، وأنه يريد منهم جزاء دعوته أن يتقربوا إلى اللّه ببذل الأرواح في محبته ، وبذل الأشباح في خدمته ، وأن يستنّوا بسنته ، ويتبعوا أسوته في جميع الأنفاس ؛ طلبا لزيادة محبة اللّه إياهم ومتابعته ، قال سبحانه :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ .
قال سهل : أن تقربوا إليّ باتباع سنتي .
قال ابن عطاء : لا أسألكم على دعوتكم أجرا لا أن تتوددوا إليّ بأن تعملوا من الأعمال ما يقربكم إلى ربكم .