قوله تعالى :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
: فرّق اللّه بين موت حبيبه صلى اللّه عليه وسلم ، وبين موت غير في مضمون الخطاب ومظنة الإشارة أي : إنك ميت عند صعقات سطوات تجلي أزلياتي ؛ حيث تفنى ضباب عصمتي عند ظهور أنوار كبريائي ؛ حتى لا تحاسب عن وجودك في ظهور وجودي لك ، فإن الحادث إذا قورن بالقديم زال الحادث وبقي القديم ،
وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
بنزع الأرواح منهم ، وأيضا :
إِنَّكَ مَيِّتٌ
منسلخ من العلل الإنسانية حي بالأنوار الربانية ،
وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
عن رؤية شرفك وعن إدراك مقاماتك ، إنك ميت عن غيرنا حي بنا ، وإنهم ميتون عن الدنيا ، فإذا كان يوم المعاد تظهر مقامات كل أحد ، فيخص بعضهم بالانبساط ، وبعضهم من الكمود على ما فات عنه من كرائم مواهبه السنية ولطائفه الكريمة .
قال ابن عطاء :
إِنَّكَ مَيِّتٌ
أي : غافل عما هم من الاشتغال بالدنيا ،
وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
عما كوشفت به من حقائق التقريب والقرب .
وقال بعضهم : إنك ميت عن بشريتك باطلاع بركات الحق عليك .
وقيل :
إِنَّكَ مَيِّتٌ
عن رؤية الأكوان بما فيها بمشاهدة المكون « 1 » .
وقال أبو العباس بن عطاء :
إِنَّكَ مَيِّتٌ
عن شواهد ما استتر ،
وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
عن شواهد ما أظهر .
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 33 إلى 35 ]
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 33 ) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 34 ) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 35 )
قوله تعالى :
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ
: وصف اللّه كل صادق يعرف مقامه وحاله بين يدي اللّه ، فصدق بما أعطاه اللّه من الولاية والكرامات والمشاهدات والفراسات والخطابات والمكاشفات ، ولا يجري على قلبه شكّ ولا ريب مما نال من الحق ، ولا يتردد في حاله ، بل متمكن مستقيم ، لا يضطرب عند طوارق الامتحان ، وأيضا وصف الحبيب صلوات اللّه وسلامه عليه والصديق الذي هو أول من قبل منه الرسالة رضي اللّه عنه .
هامش
( 1 ) إشارة إلى نعيه صلى اللّه عليه وسلم ونعي المسلمين إليهم ليفرغوا بأجمعهم عن مأتمهم ولا تعزية في العادة بعد ثلاث ومن لم يتفرغ عن مأتم نفسه ، فإذا فرغ قلبه عن حديث نفسه وعن الكونين بالكلية ، فحينئذ يجد الخير من ربه وليس هذا الحديث إلا بعد فنائهم عنهم . حقي ( 12 / 279 ) .