قوله تعالى :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
: وصف اللّه سبحانه كلامه القديم حديثه الباقي الذي أحسن من كل حسن ، إذ جميع الحسن منه بدا ، وحسنه بأن يكون بحسن الأشياء ، وأنه صفته الأزلية التي خارجة بنعوتها عن رسوم الأصوات وعلل الحروف ومصنوعات الكون ، لا يشابهها كلام الخلق من فعله صدر ، وكلامه تعالى من ذاته صدر ، فكيف يكون مشابها لكلام الحدثان ، ومعنى قوله :
مُتَشابِهاً
أنه خبّر عن كلية الذات والصفات التي منبعها أصل القدم ، وصفاته كذاته وذاته كصفاته ، وكل صفة كصفة أخرى من حيث التنزية والقدس والتقديس ، والكلام بنفسه متشابه المعاني ، وكل معنى يتكرر في موضع غير موضعه بلغة أخرى ، ووضعها مذكورة بحروفها ، والمتشابه في القرآن خاصّ ، مذكور مبين لأهل الخصوص من أهل شهود وصفات الخاصة الأزلية الذين يشهدون الأرواح والأشباح في المراقد العبودية ، يسمعون من الحق بأسماع القلوب ، فإذا سمعوا خطاب الحق من الحق يستولى على أسرارهم أنوار التجلي ، ثم تستولي من الأسرار على الأرواح ، ثم تستولي من الأرواح على العقول ، ثم من العقول على القلوب ، ثم من القلوب على الصدور ، ثم من الصدور على الجلود ، فتقشعر منها جلودهم من حيث وقوف أسرارهم على مشاهدة العظمة بنعت الخشية والإجلال والعلم به ، وإذا وصل نور الأنس بنور العظمة ونور الجمال بنور الجلال سهل على وجودهم سطوات الكبرياء ، فتلين جلودهم وقلوبهم بنور البسط والأنس ، فزاد شوقهم إلى سماع الكلام من العلّام ؛ لهيمانهم إلى رؤية جماله ، ذلك قوله :
ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
، وخطابه سبحانه سراج يستضيء بنوره كل راشد في المعرفة ، مرشد في التوحيد ، راسخ في المحبة ، قال سبحانه :
ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ
أي : من الأولياء والأصفياء والمقربين والمؤمنين الصادقين .
قيل في قوله :
تَقْشَعِرُّ
و
تَلِينُ
أي : تقشعرّ بالخوف ، وتلين بالرجاء .
وقيل : بالقبض والبسط .
وقيل : بالهيبة والأنس .
وقيل : بالتجلي والاستتار .