تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
وفاته ؛ لأنه يصل بذلك إلى رتبة الحياة الأصلية ، قال اللّه :
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا .
[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 78 إلى 81 ] وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ( 80 ) أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ( 81 ) قوله تعالى :
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ
: إن في خلق الإنسان ووجوه الحسان من علامات قدرته أكثر مما يكون في الكون ؛ لأن الكونين والعالمين في الإنسان معجون وفيه عمله معلوم ، ولو عرف نفسه فقد عرف ربه ؛ لأن الخليقة مرآة الخليقة تجلت في الخليقة لأهل المعرفة ، وربّ قلب ميت يحيا بجماله بعد موت جهالته ، وإحياؤه بمعرفته . قال الواسطي : ضرب الأمثال في القرآن إعلاما لصحة الطرق للموحدين على حدة ، وللعالمين على حدة ؛ ليعلموا أن قليلا من روائح نفحاته خير من كثير توحيدهم ومعاملاتهم . وقال في قوله :
مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
أي : من يحيى القلوب الميتة بالقسوة والإعراض عنه ، فيردها إلى التفويض والتسليم والتوكل والإقبال عليه . [ سورة يس ( 36 ) : آية 82 ] إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) قوله تعالى :
إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
: الفهم فيه أن الأمر بالقول ، والقول القديم سبب إيجاد الكون ، ولا يكون الكون إلا بإرادة المكون ، وإرادته قبل الأمر ، فلو كان القول وافق الإرادة لصار الكون قديما ، لكن بقوته الأزلية وجلاله الأبدي أراد وجود الأشياء إلا في وقت معين ، فالأشياء مطيعة له بإجباره الأزلي عليها وغلبة سلطانه على متون العدم بعزة القدم ، لا إرادة لها ؛ إذ الأمر كله يتعلق بجبروته . [ سورة يس ( 36 ) : آية 83 ] فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 83 ) قوله تعالى :
فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
: منزّه عن النقائص الحدثية ، لا شريك له في ملكه ، من قدرته بدء الأشياء ، وإلى قدرته رجوع الأشياء « 1 » .
هامش
( 1 ) الملكوت هو الملك العظيم على ما يقتضيه الزيادة التركيبية ؛ كالعظموت بمعنى : العظمة الزائدة . والرهبوت بمعنى : الرهبة الشديدة ، والرحموت بمعنى : الرحمة الغالبة ، وعلى هذا المراد بالملك العظيم هنا هو : ملك الروح ؛ لأنه أعظم من ملك الجسد ؛ لأن الجسد من عالم الصورة ، والروح من عالم المعنى ، والمعنى أوسع من الصورة ، وإن كان كل من الروح والجسد مخلوقين على ما دلّت عليه النصوص .
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 173 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )