تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
مُبِينٍ
« 1 » : بيّن أن ما صدر من العدم بنور القدم يكون بين علمه القديم وقدرته القائمة بذاته ، ونظره الشامل على وجود جميع الأشياء على حد صغرها وكبرها ، وأنها بجميعها معروفة في علمه عند بصره ، وكلها قائمة بذاته وصفاته ، وفي جميع الأوقات ينظر إلى كل ذرة بنظر الحفظ والرعاية ، ولولا كمال عزة قدرته وإحاطته بعلمه القديم لتفتت ما بين عرصات الملكوت والجبروت ، وبهذه الآية يكمل خوف المراقبين وحذر الواجدين وإجلال العارفين وخشية الموحدين ورعاية الصادقين ومؤانسة الصديقين ومطالبة المريدين . قال الشقيق : على العبد أن يلزم قلبه دوام نظر اللّه إليه وقربه منه ، وقدرته عليه ؛ لأن اللّه يقول :
وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً
. وقال بعضهم : من شهد شهود الحق إياه قطعه ذلك عن مشاهدة الأغيار أجمع . قال النصر آبادي : شتّان بين من عمل على رؤية الثواب ، وبين من عمل على اتباع الأمر ، وبين من عمل على سبيل المشاهدة ، قال اللّه تعالى :
وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً
. وقد وقع لي إشارة لطيفة أن اللّه سبحانه بيّن التفاوت بين الأرواح والأشباح ، وبين أجرام الأكوان تفاوتا شريفا ، حيث أخبر تعالى أنه مع الأرواح والأشباح بأنوار شهوده وكشف وجوده واستغراقها في علمه بقوله :
وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً
: خطاب الأرواح والأشباح وأجرام الأكوان معها بالعلم والقدرة والإحاطة بعلمه عليها ، فاللّه سبحانه مع العبد العارف بنعت القربة والمشاهدة ، والكون مستغرق في علمه عليها ، فاللّه سبحانه مع العبد العارف بنعت القربة والمشاهدة ، والكون مستغرق في علمه بقوله :
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
، وما أنت العارف لو شاهد مشهوده ليغيب عن الخوض في الأعمال ، بل يطير إليه بأجنحة الأحوال إذا انكشف جماله لمحبه لم يبق بين المحب والمحبوب واسطة الأعمال ، وإذا كان كذلك يسقط عنه أحزان الفوات ، وخوف الآفات ؛ إذ هو في مشاهد الوصال ورؤية الجمال ؛ لقوله سبحانه في وصف المشاهدين جماله المستأنسين وصاله الخارجين عن مكائد القهريات ونوائب العقوبات :
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
: العارف الصادق
هامش
( 1 ) هذه الآية وأمثالها هي أصل المراقبة عند القوم ، وهي على ثلاثة أقسام : مراقبة الظواهر ، ومراقبة القلوب ، ومراقبة السرائر ، فالأولى للعوام ، والثانية للخواص ، والثالثة لخواص الخواص ، فأما مراقبة الظواهر : فهي اعتقاد العبد أن اللّه يراه ، ومطلع عليه في كل مكان ، فينتج له الحياء من اللّه ، فيستحيي أن يسيء الأدب معه وهو بين يديه . البحر المديد ( 3 / 1 ) .