فإن وعد اللّه في ذلك حق لا يخيب رجاء الصادقين ، ولا يخلف مواعيد المقربين .
قال بعضهم : المغيرون من يرجع إلى غيرته في سؤاله ومهماته وطلباته ، وله ما في السماوات وما في الأرض ، فالكل له ، فمن طلب بعض الكل من غيره فقد أخطأ الطريق .
وقوله :
أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
أن يحرم سائل غيره ، ويبعد عليه وجه طلبته ، ولا يخيب سائله ، ويبلغه إلى أقصى أمانيه .
[ تفسير الآية 56 ]
ثم بيّن الحق أن من أقبل إليه يحييه بأنوار حياته حتى يبقى مع الحق بوصف شهوده على معاينة ذاته وصفاته ، ويميت نفسه حتى لا تزاحم بظلمة هواجسها أنوار أسراره في قلبه بقوله :
هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
: يحيى قلوب العارفين بمعرفته ومشاهدته ، ويميت نفوس الزاهدين بأنوار هيبته ومراقبته ، فمعاد العارفين مشاهدة جماله وجلاله ، ومعاد الزاهدين آلاءه ونعماءه ، وهذا معنى قوله :
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
.
قال بعضهم : هو يحيي القلوب بإماتة النفوس بحياة القلوب ، وهذا لمن كان إليه رجوعه في جميع أحواله .
وقيل : يحيي الأسرار بأنوار العزة ، ويميت النفوس بنزع الشهوات عنها .
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 57 إلى 60 ]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 57 ) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ( 60 )
[ تفسير الآية 57 ]
قال النصر آبادي : يحيي الأرواح في المشاهدة والتجلي ، ويميت الهياكل في الاستتار .
ثم ذكر سبحانه سبب هذه الحياة الباقية التي هي شفاء أرواح الصديقين ، وقوة أبدان المريدين ، ومنور أسرار العارفين ، وشفاء ألم فراق المشتاقين ، وخبر دوام الوصال للمستأنسين والمحبين ، وهو كلامه القديم الذي هو بناء القدم والبقاء ، وحلاوة الجمال والجلال وأحكام الربوبية والعبودية بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
: خاطب أهل ودّه وسماهم بالناس ؛ لأن غيرهم ليسوا بالناس في الحقيقة ؛ حيث لم يعرفوا حقوق الأزلية ؛ لذلك وصفهم بأجهل الجهل بقوله :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
، والناس من نسي نفسه ، وما دون اللّه في اللّه أي : قد جاء من عند اللّه موعظة أحكام العبودية ،
وَشِفاءٌ
أي : أنوار الربوبية ،
وَهُدىً
: تعريف