ثم إن اللّه سبحانه وصف المشاهدين جماله أنهم إذا رأوه هيّجتهم نعم المشاهدة ، وراحة الوصلة وثناء جلاله ، فأغارهم أنوار سطوات العزة وسبحات العظمة ، ولا يتهيأ لهم في ثنائه إلا العجز عن ثنائه ، فيؤول حالهم في الثناء إلى أنهم جمعوا خصائص صفاته في نعت التنزيه بقوله :
دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ
، وهذا حال سيد المرسلين صلوات اللّه عليه حين عاين الحق ، وقال : « لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » .
ثم عرفهم مكاره نعمه عليهم من تعريف نفسه فيقولون :
اللَّهُمَّ
أي : أنت إلهنا وبك عرفناك ونزهناك سبحانك اللهم .
ثم وصف تحيتهم بأنهم يبدأون باسم السلام بقوله :
وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ
: بأن سلموا من خوف حجابه وأليم فراقه ، يبرئ بعضهم بعضا من وصمات النفسانية والشيطانية ، بتبري الحق وتنزيهه عن الحوادث بأنه تعالى سمى نفسه بالسلام ، والسلام المبرئ من الحوادث ، فتحيتهم هناك تنزيهه ، فلما عرفوا حقائق نعمه التي أدركوها بغير علة الاكتساب أثنوا على ربهم ومدحوه به لا بهم بقوله :
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
: آخر ذكرهم مدحه تعالى ؛ حيث صرحوا أن ما نالوا منه نالوا بفضله الأزلي واصطفائيته القديمة .
قال ذو النون في قوله :
دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ
: مقام المحققين من العارفين التنزيه والتبري من جميع ما لهم من أنواع الأقوال والأفعال وغير ذلك ، والرجوع إلى الحق على حد التنزيه له أن يقصده أحد بسبب أو يتحبب إليه بطاعة أو يعمل كلا إلا لإظهار سعادة الأزل على السعداء ، وسمات الشقاوات على الأشقياء .
وقال الشبلي في قوله :
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
: لو ألهموا حمد الحق في أوائل الأنفاس لسقطت عنهم الدعاوى ، لكنهم لم يزالوا يركضون في ميادين الجهل إلى أن فتح لهم طريق الحمد ، فلما فتح لهم طريق الحمد سقطت عنهم الدعاوى ، فرجعوا إلى رؤية المنة ، فكانت آخر دعواهم أن قالوا : الحمد للّه رب العالمين فرضّوا الكل به ، ورجعوا بالكلية ، فأنطقهم لما أنطقهم به من المنطق المحمود .
[ سورة يونس ( 10 ) : آية 12 ]
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 12 )
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 352 ) .