[ تفسير الآية 16 ]
قوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ
: خاطب المدّعين الذين يظنّون أن الحقيقة تحصل بمجرّد الدعوى دون التحقّق بالمعنى بالتفريع عند حسابهم ومخاييلهم ، وعرّفهم أن من لم يكن باذلا لوجوده للّه ، مخلصا في معرفته بنعت زوال عوارض البشرية ، والصدق في صحبته أهل الولاية ، فهو على غلط من حسبانه ، وفي سهو من حسابه ، وذلك تمام الآية بقوله :
وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً
« 1 » ، ثم حذّرهم عن دعوى المحال ، وما في ضمائرهم من غبار الخيال ، بقوله :
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
.
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 18 إلى 20 ]
إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( 18 ) أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 19 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ( 20 )
[ تفسير الآية 18 ]
قوله تعالى :
إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ
: جمع اللّه سبحانه جملا من الخصال الحميدة من الفرائض والسنن ، والإيمان والمعرفة ، والثقة بوجوده فيمن يجوز له عبارة مجالس أنس العارفين والمحبّين والعابدين والمطمئنين والمراقبين .
وتلك العمارة تكون بخلوّ قلبه عمّا دون اللّه عند دخوله في مساجد اللّه ، وطهارة سرّه عن شواغل الطبيعة ، وغبار الوسوسة .
قال بعضهم : عمارة المسجد بعمارة القلب عند دخوله بصدق النيّة ، وحسن الطوية وطهارة الباطن للّه ، كما طهرت ظاهرك بأمر اللّه ، ودخول المسجد بالخروج عن جميع الأشغال والموانع ، فذلك من عمارة المساجد .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 21 إلى 22 ]
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ ( 21 ) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 22 )
هامش
( 1 ) بطانة ، أي : جاهدوا وأفردوا محبتهم للّه ولرسوله وللمؤمنين ، ولم يتخذوا من دونهم بطانة ، أي أصحاب سر يوالونهم ويبثون إليهم أسرارهم ، بل اكتفوا بمحبة اللّه ومودة رسول اللّه والمؤمنين ، دون موالاة من عاداهم . البحر المديد ( 2 / 388 ) .