وما أشد ذلك لا سيّما إذا كانت بغتة على غير رقبة في أزمنة السليمة :
فتنبّأ بخير والدّنا مطمئنّة * وأصبحت يوما والزمان تقلّبا
كانوا في زمان العهود على رجاء الوصول ، فجازتهم طوارق الغيرة ، وأسقطتهم عن نيل المنية ، وكأن سراج الوصل أزهر بيننا ، فبهت به ريح من البين فانطفأ .
[ تفسير الآية 2 ]
ثمّ أنّ اللّه سبحانه رأى نقض عهودهم بعد أن أمهلهم في زمان يمكن تدارك ما أفاقوا ، وذلك ما قال :
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
« 1 » .
[ تفسير الآية 3 ]
وأشفع عليهم بنقض العهد بين جمهور الخلائق ، بقوله :
وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ
: عرف عباده يوم عيد الأكبر يعني : يوم كانت الأرض والسماء واحدا ، بل العرش والكرسي والأرض سواء لكشوف جلاله لنبيّه وأوليائه .
قال عليه السلام : « إذا كان يوم عرفة إن اللّه تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة . . . » « 2 » .
بأنه تعالى برئ من المشركين المحجوبين بهواهم عن اللّه ورسوله ، برئ منهم ؛ لأنّ الحبيب يوافق حبيبه في كل مراده ، وهكذا يقتضي غيرة التوحيد .
قال ابن عطاء : كلّ من أشرك مع اللّه فيما للّه غير اللّه فهو منه بريء ، ثم من كرمه ورحمته ما أخرجهم عن مربع الرجاء بالكلّية ، وما قطع حبال الوصال بالجملة حين استتابهم بقوله :
فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
أي : إن رجعتم من حظوظ أنفسكم من الدنيا إلى حظوظ قلوبكم من مشاهدتي ، فهو خير لكم ، فإنّ الخير كلّ الخير في وصالي وقربتي .
و « التوبة » عند أهل الإشارة : ذهاب الحدثان على الجنان عند مشاهدة قدم الرحمن .
قال أبو عثمان : التوبة مفتاح كلّ خير
فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
.
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 8 إلى 9 ]
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ( 8 ) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 9 )
هامش
( 1 ) إشارة إلى أن للنفوس في أرض البشرية سيرا وسياحة لتكميل الأوصاف الأربعة من النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية التي تتولد بازدواج الروح العلوي الروحاني المفرد والقالب السفلى المركب من العناصر الأربعة . فالنباتية تولد الماء . والحيوانية تولد الريح . والشيطانية تولد النار . والإنسانية تولد التراب فلتكتمل هذه الصفات أرخيت أزمة النفوس في مراتع الدنيا ونعيمها إلى البلاغة . تفسير حقي ( 4 / 481 ) .
( 2 ) رواه ابن خزيمة في صحيحه ( 4 / 263 ) .