[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 50 إلى 51 ]
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ ( 50 ) يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 )
[ تفسير الآية 50 ]
قوله تعالى :
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ ( 50 )
جعل اللّه عيسى وأمه مشكاتي أنوار قدسه ، ومرآتي تجلي جلاله وجماله لبصراء الصديقين ونظّار المقربين وآواهما إلى ربوة تلال مشاهد القدم ذات قرار لأسرار العارفين ومعين سواقي بحار الكرم التي شرباتها تحيى الأسرار من موت الفناء ، وتبلغها إلى حياة البقاء .
[ تفسير الآية 51 ]
ثم خاطب روحه وكلمته باسم الجمع ؛ لأنه كان مجامع أخلاق جميع الأنبياء والرسل ، ويمكن أن هذا خطاب مع سيد الرسل محمد المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، وهو أليق بذلك ؛ لأنه بحر اللّه ينشق منها أنهار الأنبياء والرسل .
ثم أمره بأكل الحلال بقوله :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ
الإشارة إلى خوان دنا فتدلى ومشاهدة الأعلى بين كان قاب قوسين أو أدنى جلال مشاهدته ووصال جماله جلال للعارفين ، حيث لا يدخل فيه علة الحرمان ، ولا فيه مخائيل الشيطان ؛ فطلب منه بعد أكل موائد المشاهدة العمل الصالح ، وهو التبري من الحدثان ، وتلاشي النفس بنعت المعرفة في جمال الألوهية بقوله :
وَاعْمَلُوا صالِحاً
فلما دنا من قرب القرب ، ووصل إلى سر السر فرد القدم عن علة الحدث بقوله صلى اللّه عليه وسلم :
« لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » أكل عيسى من ربوة المشاهدة مائدة القربة ، فلما رأى سطوات الديمومية شملت وجوده أفنى نفسه لثبوت العمل الصالح
هامش
الإنساني ذلك الروح الإضافي ، وإن لم يكن حالا فيه ؛ بل متعلّقا به تعلّق التدبير والتصرف ؛ لكنه كان كالمنزل له ، وإنما كان مباركا ؛ لأن الروح إنما يترقّى إلى الكمالات ، ويضع القدم في المعراج ، والمصاعد بإعانة البدن له بمزاولة الأعمال الصالحة ، ولذلك كانت دوائرهم وبقاعهم من المنازل المباركة أيضا ، فمن وفّقه اللّه تعالى للنزول فيها ، والتردّد إليها غدوّا ورواحا ؛ كان عبدا مباركا نافعا للعالمين ، فطوبى لمن تشرّف بهذا الشرف العظيم ، وويل لمن وقع في الذّلّ والعذاب الأليم بدخول دويرات المبتدعة ، والفسقة الخارجة عن الصراط المستقيم . ومن المنازل العالية : القلب الإنساني ؛ لأن الواردات الإلهية تنزل فيها ، وله برزخية جميع الكمالات الإنسانية ، ومن دخله ؛ كان آمنا من برد الطبع ، وحرّ الشهوة ، سالما من آفات الشكوك والظنون ، متصفا بالصفات الإبراهيمية ، والمحمّدية ، وسائر الكمّل الندر .
( 1 ) سبق تخريجه .