تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 558

مساهمون:

ص٥٥٨
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 39 إلى 49 ] قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ ( 39 ) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ( 40 ) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 41 ) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ ( 42 ) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ( 43 ) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 44 ) ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 45 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ ( 46 ) فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ( 47 ) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ( 48 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 49 )

[ تفسير الآية 29 ]

قوله تعالى :
وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً
أي : أنزلني منزل مشاهدتك حتى أصل بركة وصالك ، وأفوز برؤية جمالك وجلالك « 1 » . قال ابن عطاء : أكثر المنازل بركة منزل تسلم فيه من هواجس النفس ووساوس الشيطان وموبقات الهوى ، وتصل فيه إلى محل القربة منازل القدس ، وسلامة القلب من الأهواء والبدع . وقال الأستاذ : الإنزال المبارك أن يكون باللّه ، واللّه على شهود اللّه من غير غفلة عن اللّه ، ولا مخالفة لأمر اللّه « 2 » .
هامش
( 1 ) قوله : منزلا مباركا بضم الميم ، وفتحها بمعنى : موضع إنزال ، أو موضع نزول ؛ وهي السفينة النوحية ها هنا ؛ لأن الخطاب لنوح عليه السلام ، فكانت السفينة منزلا مباركا له ، ولمن معه من المؤمنين حيث نجوا منها من الطوفان ، كما أن البر كان منزلا غير مبارك لمن عصاه من المشركين حيث أغرقوا من فيه بالطوفان ، وذلك لأن دخول السفينة كان بإذن اللّه تعالى ؛ فكانت منزلا مباركا يستتبع نفعا كثيرا ظاهرا وباطنا ، والإباء عن دخولها بإضلال الشيطان ، وتسويل النفس ؛ فكان عاقبته شرا محضا ، وهلاكا صرفا ، فكما أن دخول السفينة كان خيرا محضا ؛ لكونه امتثالا لأمر اللّه تعالى ، فكذا الخروج عنها بعد ما كان أمر اللّه مفعولا ؛ فكانت الأرض أيضا منزلا مباركا لهم ؛ ولذا قال تعالى :يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ[ هود : 44 ] ؛ لأنها مع الماء المستوعب لا ينتفع بها ، ولّما كانت السورة مكية ؛ كان من إشارتها أن يدعوا نبينا صلى اللّه عليه وسلم بهذا الدعاء لنزّله اللّه المنزل المبارك الذي هو المدينة المنورة ؛ فكانت المدينة مباركة ببركة قدمه صلى اللّه عليه وسلم ، كما كانت مكة المكرمة مباركة بقدمه ، وبأقدام سائر الأنبياء أيضا عليهم السلام ، فكلّ منهما منزل مبارك لمن أراد أن يكون في جوار اللّه تعالى ، وجوار سيد المرسلين . ( 2 ) وفيه إشارة إلى أن الدنيا من المنازل الرفيعة حيث استدعى لسان الروح النزول إليها ، وكذا البدن