تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 108 إلى 109 ] قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 108 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ( 109 )

[ تفسير الآية 105 ]

قوله تعالى :
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ( 105 )
كان في علم الأزلية أن أرض الجنان ميراث عباده الصالحين من الزهاد والعبّاد والأبرار والأخيار ؛ لأنهم أهل الأعراض والثواب والدرجات ، وأن مشاهدة جلال أزليته ميراث أهل معرفته ومحبته وشوقه وعشقه ؛ لأنهم في مشاهد الربوبية ، وأهل الجنة في مشاهد العبودية . قال سهل : أضافهم إلى نفسه وحلاهم بحلية الصلاح معناه : لا يصلح لي إلا ما كان لي خالصا لا يكون لغيري فيه أثر وهم الذين أصلحوا سريرتهم مع اللّه ، وانقطعوا بالكلية عن جميع ما دونه ،

[ تفسير الآية 106 ]

ثم بيّن سبحانه أن كلامه الأزلي يبلغ الصديقين إلى معادنه من رؤية الصفات والذات الأزلي بقوله :
إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ ( 106 )
مشاهدين جلالنا وجمالنا بهممهم العلية ، وقلوبهم الحاضرة وعقولهم الصافية وأرواحهم العاشقة ، وأسرارهم الطاهرة . قال سهل : لم يجمع البلاغ لجميع عباده بل خصّ القوم العابدين ، وهم الذين عبدوا اللّه ، وبذلوا له مهجتهم ، لا من أجل عوض ، ولا لأجل نار ولا جنة بل حبّا له وافتخارا بما أهلهم من عبادتهم إياه .

[ تفسير الآية 107 ]

ثم وصف اللّه سبحانه حبيبه محمدا صلى اللّه عليه وسلم بأنه أرسله رحمة إلى جميع خلقه بقوله :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 )
إنما الفهم أن اللّه سبحانه أخبرنا أن نور محمد صلى اللّه عليه وسلم أول ما خلقه في الأول من جميع خلقه ، ثم خلق جميع الخلائق من العرش إلى الثرى من بعض نوره ، فإرساله من العدم إلى مشاهدة القدم رحمة لجميع الخلائق إذ الجميع صدر منه فكونه كون الخلق ذكر أنه سبب وجود الخلق ، وسبب رحمة اللّه على جميع الخلائق إذ هو سبب وجود الجميع ، فهو رحمة كافية ؛ وافهم أن جميع الخلائق صورة مخلوقة مطروحة في فضاء القدرة بلا روح حقيقية منتظمة لقدوم محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ فإذا قدم في العالم صار العالم حيّا بوجوده ؛ لأنه روح جميع الخلائق . قال اللّه تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 )
« 1 » ، ويا عاقل إن من
هامش
( 1 ) قال سيدنا الجيلي في كتاب « الكهف والرقيم في شرح بسم اللّه الرحمن الرحيم » ما نصه : الحقيقة المحمدية خلق العالم بأسره منها لما ورد في حديث جابر أن اللّه تعالى خلق روح النبي صلى اللّه عليه وسلم من ذاته وخلق العالم