تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 507

مساهمون:

ص٥٠٧
طالعها بقلبها لنودي عليه بالهجران أبد الأبد ، ثم عطف عليه فرحمه بقوله :
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى
فلما غرق في بحر الامتحان والحجاب عن الجنان فاطلع على قلبه الرحمن ، ولم ير إلا الشوق إلى لقاء الرحمن أظهر نفسه له في منازل الفرقة بوصف الوصلة ، بقوله :
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى
زاد الاجتبائية على الاصطفائية وتاب الحق على صفيه ؛ لأن القديم لا يلحقه الحدث ، وإن اجتهد فأين يطلبه ، ولا أين فأقبل عليه الحق بنعت كشف جلاله هو لم يزل مقبلا عليه بنعت العناية والاصطفائية ، ويرجع إليه بحسن الإقبال ، وكشف الجمال ، وهدي إلى طريق الوصال الذي لا تفرق فيه بعد ذلك أبدا بقوله :
فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى
هدي منه إليه . قال الواسطي : العصيان لا يؤثر في الاجتبائية ، وقوله :
وَعَصى آدَمُ
أي : أظهر خلافا ثم أدركته الاجتبائية ؛ فأزالت عنه مذمة العصيان ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله :
فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
، وكيف يعزم على المخالفة من هو في سر العصمة وخصوصية الاجتباء والاصطفاء . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 123 إلى 129 ] قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ( 123 ) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ( 126 ) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى ( 127 ) أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ( 128 ) وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ( 129 )

[ تفسير الآية 124 - 123 ]

قوله تعالى :
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ( 123 )
أي : من تبع خطابي وإلهامي فلا يضل عن طريق السنة ولا يشقى عن المتابعة . قال سهل : هو الاقتداء وملازمة الكتاب والسنة لا يضل عن طريق الهدى ، ولا يشقى في الآخرة والأولى ثم بيّن أن من أعرض عن طريق الإلهام والذكر ومتابعة السنة وقع في ضنك عيش الفرقة بقوله :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
أي : من اشتغل بذكر غيري احتجب عن أنوار ذكري ، ومن كان محجوبا عن أنوار الذكر كان محجوبا عن أنوار مشاهدة المذكور ، وله حياة غير طيبة ويرزق غير هني ، وأي عيش أضيق من عيش من كان
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 507 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )