عن ذلك ، فلم يعرف موسى في ذلك الوقت إشارة الحق ، فقال : معي عصاي ، ولو لقال : هي موضع آياتك ومسقط قدرتك ، وأيضا أظهر عجزه عند سرادق كبريائه بأنه أضاف الحدث إلى الحدث ، وعلم أن الحدث لا يليق إلا بالحدث ويمكن أنه رأى منها بعض الآيات ؛ فذكر إنعام اللّه عليه في حضرته وزاد ذكر النعمة ، فقال :
أَتَوَكَّؤُا
عليها أي : أعتمد عليها بأنها آية من آياتك
وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي
أستمتع بما أريد منها
وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ( 18 )
، وتلك المعجزة من ماربه فلما ارتهن من الحق بالوسائط .
قال سبحانه في غيرة الوحدانية : ألقاها جوابا لقوله :
أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها
لئلا يسكن إلى غيره ،
[ تفسير الآية 21 - 20 - 19 ]
فلما ألقاها
فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
أي : موسى عصاه متقلبة بحية عظيمة مقبلة إلى موسى بالهيبة والصولة ففر منها موسى خيفة ، وذلك من غيرة اللّه عليه سبحانه لئلا ينظر إليها ، ولا يستأنس بها ؛ فإنها وسيلة منة إليه ، ومن بقي في رؤية الوسيلة احتجب عن رؤية الحقيقة ، ويا عاقل إن فرار موسى لا من الخوف من غير الحق إنما هو خاف من عظمته التي ظهرت من الحية ؛ لأنه تعالى تجلى بعظمته من الحية لموسى ، ومن يستقيم بإزاء مشاهدة عظمته القديمة فلما علم الحق أنه تبرأ من غيره
قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ
أي : خذ عصاك ، ولا تخف من غيري .
قال : ما خفت منه ؛ فهو أنا لا غير .
قال فارس في قوله :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ
« 1 » سمع موسى كلاما لا يشبه كلام الخلق ، فلما سمع ذلك الكلام كاد يهيم ، فمرة أضاف العصا إلى نفسه ، ومرة أجاب عما لا يسأل كذلك الهيمان .
وقال : لما غلبت عليه لذعات الصفات وأراد الحق إلى المخلوق ليسكن ما به ؛ فقال :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ
أشغله بالإجابة عما يملكه ، ولولا ذلك لتفسخ عنه ورود الخطاب عليه بغتة .
وقال أبو بكر بن طاهر في قوله :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ
، وانبسط إليه في السؤال
هامش
( 1 ) وأية نعمة أو مأرب أو منفعة تكون أعظم من أن تقول لي : وما تلك ؟ ويقال قال الحقّ - بعد ما عدّد موسى وجوه الآيات وصنوف انتفاعه بها - ولك يا موسى فيها أشياء أخرى أنت غافل عنها وهي انقلابها حية ، وفي ذلك لك معجزة وبرهان صدق .
ويقال جميع ما عدّد من المنافع في العصا كان من قبل اللّه ، فكيف له أن ينسبها ويضيفها إلى نفسه . تفسير القشيري ( 4 / 493 ) .