تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
منه بحر الأساعي لها مداد ، وإن من العرش إلى ثرى كل ذرة منها ميدانا وصحارى من أقلام ، وجميع الأولين والآخرين من الأزل إلى الأبد يكتبون كلمات القدمية لفنيت الكل عن حصرها ، وبقيت الكلمات غير محصورة الحدثان ، وكيف ذلك والحوادث منتهية ، وصفات الأزلية منزهة عن نقائض الحدوثية والعدد والمدد من قبل الخليقة ، فلو كان بالمثل هذه البحور والأقلام والأيدي ، تكتب ما في قلب عارف في ساعة من كلام الحق وخطابه وحديثه ووحيه لنفد البحر ، وينقطع الأقلام والأيدي ، ولا تنتهي تلك الكلمات ؛ لأنها قائمة بالصفات والذات والصفات منزهة عن تقدير المقدرين ، وحسبان المتوهمين ، وحساب المحاسبين . قال اللّه :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ
[ لقمان : 27 ] . وإشارة الحقيقة أي : لو كان بحار القلوب مملوءة من مداد الخواطر وأسرارها التي تدور في سرادق الكبرياء أقلاما ، وتستمد مدادها من بحر الأفعال ؛ لنفدت عند نشر معاني علم اللّه في كلمة من كلمات اللّه ؛ لأن ملك البحار فعالية والكلمات صفاتية ، والأفعال متلاشية تحت أنوار الصفات ، ولا تعجب أن جميع الأكوان من العرض إلى الثرى ؛ لو كانت كل ذرة منها ألف بحر لا ساحل لها يكون قطرة من بحر خواطر القلوب وأسرارها سبحان المنزه عن إحاطة المخلوقات بشيء من علمه . قال سبحانه :
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
[ طه : 110 ] . قال الحسين : مقياس العدم في الوجود في معنى جوده فإما خاص الخاص من كلامه فلو كانت أبد الأبد أقلاما ومدادا وبياضا ما نفد معاني كلمة من كلماته ، ولا يوصف أكثر مما قد أشير إليه ، وإنما يذكر الناس ما يفيدهم معاني العبودية من علم وثواب عقاب ، ووعد وعيد على حسب ما يحتمل عقولهم ، فأما الكمال من فائدة الكلام فللأنبياء والأصفياء والأولياء . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 110 ] قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( 110 )

[ تفسير الآية 110 ]

قوله تعالى :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ
إن اللّه سبحانه زين حبيبه بأنوار الربوبية ، وجعله متصف بصفاته متخلقا بخلقه ، وكان مرآة الحق في العالم يتجلى منه للعالمين فمن كان له عين من عيون اللّه مكحولة بسنا ذاته ينظر بها إليه ، ويرى بالحق فيه جمال الحق فكاد من عليه شوقه إلى جمال ألا يبرح لحظة من عنده ، ولا يتفرغ إلى صورة العبادة فأخبر اللّه