تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 26 إلى 28 ] قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ( 26 ) وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 27 ) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( 28 )

[ تفسير الآية 28 ]

قوله تعالى :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
هذا تسلية لنبيه صلى اللّه عليه وسلم فإنه كان عليه السلام بقلبه في الملكوت ، وبروحه في الجبروت ، وبسره في مشاهدة القدم ، وبعقله في أنوار غيبه مشتاقا إلى الحق ، لا يصبر في الدنيا بأن يكون مع الخلق بالصورة ، وكان يريد أن يطير إلى منازل قاب قوسين كل وقت ؛ لما رأى بين القوسين بغير الكونين مشاهدة الجلال والجمال . فقال سبحانه احبس نفسك مع هؤلاء الفقراء العاشقين بجمالي المشتاقين إلى جلالي ، الذين في جميع الأوقات يسألون عني لقاء وجهي الكريم ، ويريدون أن يطيروا بجناح المحبة إلى عالم وصلتي حتى يكونوا متسلين بصحبتك عن مقام الوصال ، فإن في رؤيتك لهم رؤية ذلك الجمال فتكون معهم موافقا وسرك وعقلك وروحك وقلبك عندي فإنها مواضع تجلي كبريائي وأسرار عزتي ، ولا يطيق الكون أن يكون في جوار قلبك ، فإن قلبك معادن أسرار العليين ، ومزار الكروبيين وهو عرش تجلي القدم ، ومعادن عيون الكرم ، ولا يليق به مصاحبة أهل العدم .
وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ
« 1 » فإنهم ينظرون بعينك إليّ إذا كانت عينك في طلب مشاهدتي في مرآة أفعالي من الخلق والخليقة .
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ
بأن يواسيك برؤية الأكوان والحدثان ؛ لزيادة العرفان ، فإن الوسائط في الحقيقة تورث الغفلة عنا ، وهو سبحانه شغل قلوب الخلق بخلقه عن خلقه ، وحجبهم برؤية الخليقة عن مشاهدة الحقيقة ، فمن غافل سبب غفلته الجنة ، ومن غافل سبب غفلته خوف النار ، ومن غافل سبب غفلته استكبار العبودية ، ومن غافل غفلته رؤية الأعواض ، ومن غافل غفلته رؤية الكرامات ، ومن غافل سبب غفلته المجاهدات ، ومن
هامش
( 1 ) أي : عين الأزل ، وعين الأبد ، وآثر عدم العدّ ، وحبس النفس معهم : أي الصحبة بهم في عالم الحسّ ؛ لأن هذه الصحبة أثر صحبة الروح ، فإن أرواح المؤمنين فائضة من نور محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ فهي كالأولاد له ، ولا شك أن الاباء والأولاد متصل بعضهم ببعض ؛ فهم في صحبة واحدة في المعنى ، والصورة فافهم جدّا .