إحسان اللّه فيه ، وشهوده عليه ، وشهود العبد مشاهدته بشرط ألّا يرى لغير اللّه وزنا من نفسه ، وجميع الأكوان حتى لا يجد عليه أحد سبيل المنّة .
[ تفسير الآية 92 ]
ثمّ وصف هؤلاء المحسنين بالفقر والظرافة فيه ، بنعت بذل الوجود ، وصدق اللقاء المحمود ، بقوله :
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ
أي : لترفعهم عن رؤية غير اللّه ؛ حتى رؤية ما وجدوا من اللّه من حظوظ حلاوة مشاهدته إلى الفناء فيه ؛ حتى لا يبقى فيهم غير حظّ اللّه منهم .
أيضا أي : لتحملهم باللّه ؛ حتى يكونوا معك في مشاهدة اللّه أبدا ، ولا ينقطعوا عنك طرفة عين ، ثمّ بيّن اللّه سبحانه وصف القوم برغبتهم في بذل وجودهم للّه ، وسرعة مسارعتهم إلى اللّه ، وشدّة شوقهم إليه ، وكثرة حزنهم بما فاتوا عنهم من حقوق الطريقة بتمام الآية ، مما أجابهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ
أي : لا أجد من العرش إلى الثرى شيئا يحملكم غير اللّه ، ثمّ قال اللّه :
تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً
: بيّن أن البكاء من الحزن ، وهو بكاء المريدين ؛ لأن بكاء العارفين والمحبّين من الفرح باللّه .
قال النصر آبادي في قوله :
إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ
أي : يحملهم على الإقبال علينا ، والثقة بنا والرجوع .
وقال أيضا : يحملهم أي : فتحمل عنهم أثقال المخالفات ،
[ تفسير الآية 93 ]
ثمّ بيّن أن العتاب على من سكن إلى الدنيا ، وفرح بها ، بقوله :
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ
: وصف المتقاعدين عن الحقّ ، وعن السير إلى معارك شهداء العشق الذين قتلوا بسيوف المحبّة ، باشتغالهم بنفوسهم الأمّارة ، وهواها القاطع سبيل طلعة اللّه سبيل العار والشنار عليهم ؛ لأنّهم تركوا حظ الأكبر بالحظ الأصغر .
قال النصر آبادي : ألزم اللّه الندم الأغنياء ؛ لأنهم اعتمدوا أملاكهم وأموالهم ، واستغنوا بها ، ولو اعتمدوا على اللّه ، واستغنوا به لما ألزموا المذمّة .
ثم وصف تكلّف أهل الدنيا ، في إنفاقهم بالنفاق والرياء والسمعة ، ثم رأوا ذلك أيضا غرامة ؛ لأنهم لم يعرفوا ما يطلبون ، ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 98 إلى 99 ]
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 98 ) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 99 )