الْكُفَّارَ
: النفوس الأمّارة ، وجهادها إماتة شهواتها ،
وَالْمُنْفِقِينَ
: هم إبليس وجنوده ، وجهادهم [ مجاهدة ] طريق الوسواس بالجوع الدائم ، والحزن القائم ، والزجر الغليظ عليهم يكون من القلب الروحاني المملوء من النور الربّانيّ ، وفيه رخصة زجر المدّعين ، فيجوز الصادق أن يزجرهم ، ويعرض عنهم .
قال محمد بن علي : جاهد الكفّار بالسيف ، والمنافقين باللسان .
وقال سهل : النفس كافرة ، فجاهدها بسيف المخالفة ، وأحملها جولات الندم ، وسيّرها في مفاوز الخوف ، لعلّك تردّها إلى طريق التوبة والإنابة ، ولا تصح التوبة إلا لمتحيّر في أمره ، مبهوت في شأنه ، واله القلب مما جرى عليه .
قال اللّه :
حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ
.
[ تفسير الآية 74 ]
ثمّ وصف اللّه أهل النفاق بنقض العهود ، وفسخ العقود ، وشحّ النفوس ، بقوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ
: هذا وصف المغرورين الذين ما ذاقوا لهم محبّة اللّه ، ولو وجدوا لذّة منها بقدر رأس إبرة ، ليدلوا وجودهم لشوق جماله .
قال النصر آبادي : الفضل في رؤية الإحسان ، رأوا من أنفسهم إحسانا لم يعملوه بعد ، وصدقة لم يتصدّقوا بها ، وصحّحوا لأنفسهم أفعالا ، بقوله :
لَنَصَّدَّقَنَّ
، فنقضوا العهد لمّا ظهر لهم ما سألوه ، فتولّد لهم من ذلك البخل الذي قال عنه النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أي داء أدوى من البخل » « 1 » .
[ تفسير الآية 76 ]
والتولي عن سبيل الرشد ، والإعراض عن مناهج الحق ، وذلك أنهم أخلفوا وعدهم في السخاء ، فلزم عليهم الخيانة والبخل والكذب ، بقوله :
فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ
.
[ تفسير الآية 77 ]
ثمّ إنّ اللّه سبحانه وصفهم بتمام الحرمان عن السعادة والسخاوة ، بقوله :
فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ
، زاد نفاقهم جزاء لبخلهم .
قيل : هو ميراث البخل ، وهو الكذب والخلف والخيانة .
هامش
- الخوف ، لعلك تردها إلى طريق التوبة والإنابة ، ولا تصح التوبة إلا من متحير في أمره ، مبهوت في شأنه ، واله القلب مما جرى عليه .
( 1 ) رواه البخاري في الأدب المفرد ( ص 111 ) .