الانتصاب إن غلبهم أحد بالجفاء قابلوه بالوفاء ، وإن أذنب عليهم قوم اعتذروا عنهم ، وإن مرضوا عادوا غيرهم .
كما قيل : إذا مرضنا أتيناكم نفوركم وتذنبون ؛ فتأتيكم ونعتذر .
[ تفسير الآية 23 ]
ثم وصف امتنانه عليهم بقوله :
أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ( 22 ) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ
الجنات بالتفاوت الجنة مع العموم بساتين الملكوت ، وجنة الخصوص معاينة ذات الجبروت ؛ فإذا جلسوا على كراسي جنة الملكوت يزورهم إخوانهم من الملائكة ويهنئهم بما فازوا وما ظفروا بقوله :
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ
أي : من كل أبواب الأهلية بينهم
[ تفسير الآية 24 ]
وبين الملائكة في مقام المعرفة والمحبة ، قال تعالى :
سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
أي : سلامة دوام الوصال وبركة أنوار جماله الحق عليكم ولكم إلى الأبد بلا انقطاع ولا هم أبدا بما صبرتم في طول الشوق إلى جماله ، ونظركم في بلائه .
وقال بعضهم : سلام عليكم بما صبرتم معناه عما لنا .
[ تفسير الآية 25 ]
ثم وصف اللّه أضدادهم بخروجهم من مكان عبوديته في اتباعهم هواهم بقوله تعالى :
وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ
ميثاقه معهم لم يكن مع شرط التوفيق ولو ساعدهم في العهد نور العناية لا يقدرون على نقض العهد ؛ لأن الموفق بالتوفيق يكون محفوظا بعين رعايته عن كل خطر .
وقال أبو القاسم الحكيم : نقض العهد هو السكون إلى غير سكون إليه ، والفرح بغير مفروح به ،
[ تفسير الآية 26 ]
ثم وصفهم بحب الدنيا والفرح بحياتها بقوله :
وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ
لا يكون الفرح بالدنيا إلا لمن كان معزولا عن الفرح بمشاهدة اللّه ، ومن كان فرحه باللّه كيف يفرح بما دون اللّه ، وإن كان الجنة فإذا لم يفرح بالآخرة فكيف يفرح بالدنيا ، والدنيا عند الآخرة كقطرة دم عند بحر الزلال .
قال الواسطي : الدنيا مدرة ولك منها غبرة ، ومن أسترته غبرة فهو أقل مستحقا ، ومن ملكه جناح بعوضة أو أقل منه فلذلك قدرة .
وقال أيضا : لا تدعو الدنيا تفرقكم في بحارها وغرقوها في بحر التوحيد حتى لا يجدوا منها شيئا .
وقال بعضهم : أخبر اللّه أن الدنيا في الآخرة متاع ، والآخرة أقل خطر في جنب الحقيقة من خطر الدنيا في الآخرة .